المسيحيون ملح مجتمعاتنا (2-1)

كتب الزميل العراقي علي الصراف مقالا طويلا عن مسيحيي العرب، ننتقي منه أشياء ونضيف له أخرى، لعل وعسى يستنكر الصراف القول ان المسيحيين العرب أقلية، فهذا يتضمن تجاهلا لكونهم عربا، والعرب أغلبية في أوطانهم. كما أن وصفهم بالأقلية أي «أقلَنة» عروبتهم والسعي لتصغيرها، وهذه خطيئة لا مجرد خطأ! كما يضعهم على هامش التاريخ في المنطقة، وهم الذين ظلوا في قلبه، وساهموا فكريا وفنيا واقتصاديا بصورة ريادية في صنع تاريخه القديم والحديث، وكان لهم دور كبير في تحرر أجزاء كبيرة منه! ويعتقد الصراف أن هناك من يضع «شيعيته» أو «سنيته» فوق وطنيته، معتمدين على نصوص دينية معينة، ولكن لا يوجد نص ولا سلوك كنسي واحد يضع المسيحية على هذه الأرض فوق وطنيتها وانتمائها القومي! ويشتهر عن البابا الراحل شنودة، الذي ناله الكثير من السباب المقذع، في حياته ومماته من السفهاء والمتعصبين، لدرجة رفض فيها البرلمان المصري تأبينه بصورة لائقة، قوله «لو كان الاسلام شرطا للعروبة لصرنا مسلمين»، وعن مكرم عبيد، أحد أقطاب أقباط مصر انه قال: «أنا مصري الجنسية، ومسلم الثقافة»، ويعتقد الصراف أن من المبكر ظهور رجل دين مسلم يملك من الشجاعة والوطنية ما يكفي لقول: «نحن وطنيون كإخوتنا المسيحيين، ولو كانت المسيحية شرطا للوطنية، لصرنا مسيحيين». ومعروف أن المسيحيين العرب بنوا المدارس والمعاهد لتدريس اللغة العربية، في غير مكان واحد، لأنها كانت صوت ثقافتهم و«تميزهم» القومي الخاص. وعندما وضع الأتراك قوميتهم فوق ديانتهم، كان المسيحيون العرب هم الذين رفعوا لواء العروبة، وهم الذين سارعوا الى تذكير المسلمين بمكانتهم، وكانوا دائما جزءا من هذه الأمة ومن خيرها. وبالرغم من كل ما قيل وكتب عن السبب وراء نشاط المسيحيين العرب في الدفاع عن القومية على حساب الهوية الدينية، فانه من الصعب انكار دورهم الأدبي والثقافي والتعليمي الكبير في تطوير اللغة وحفظها، فجورج علاف وضع كتاب «نهضة العرب»، وألف اليسوعي لويس شيخو موسوعة «تاريخ الآداب العربية»، وكان عبدالله مراش من أوائل الذين حرروا جرائد المهجر العربيةكـ«مرآة الأحوال» المملوكة لرزق الله حسون، و«مصر القاهرة» لأديب اسحاق، و«الحقوق» لميخائيل عورا، وأسس الاخوان بشارة وسليم تقلا عام 1876 جريدة «الأهرام»، ثم «صدى الأهرام» وكابدا المشقات في دفاعهما عن حقوق المصريين. وكان نقولا توما من أوائل المسيحيين الذين التقوا بأصحاب مشروع النهضة الذي تصدره جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وكان جميل نخلة المدور مولعا بالتنقيب عن آداب العرب وتاريخ الأمم الشرقية القديمة، وصنف في حداثته تاريخ بابل وآشور، وعرّب كتاب التاريخ القديم، وكتب كتابه الشهير «حضارة الاسلام في دار السلام»، وكان سعيد البستاني قد تقلب بين مصر وبلاد الشام ليعكف على نشر الآداب العربية، وكان خليل غانم واحدا من أبرز السياسيين الأحرار وانتخب نائبا عن سوريا لـ«مجلس المبعوثان» عام 1875، وساعد مدحت باشا في وضع قانون الدولة السياسي، فكان أحد أركان النهضة الدستورية.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top