في الزيارات والنظافات 2 من 2

هنالك من يعد الشيعة مثلا مشركين ويجب العمل على إفنائهم، وهناك من يعتقد أن الأقباط يجب أن يتركوا مصر ومسيحيي لبنان يجب أن يهاجروا منه، وآشوريّي العراق وكلدانه يجب التخلص منهم، وهكذا، وهذا ليس أمرا بائسا فقط بل مضحك أيضا، وإن كان ضحكا كالبكاء، فكيف يمكن أن يفكر أي طرف في إفناء غيره، ولو كانوا يعدون بالملايين، لمجرد أنهم يتبركون بمقابر أئمتهم مثلا؟ وتصبح المسألة أكثر استحالة عندما نعلم أنه لا توجد دولة عربية واحدة لا يوجد فيها مزار مقدس أو قبر يتبرك به او رمز يطلب منه الشفاء والخير، فهذا ما نراه شائعا في مصر وتونس والسودان وموريتانيا والسنغال والهند وباكستان وغيرها العشرات، فهل سيقوم هؤلاء المتطرفون المجانين بإفناء مسلمي كل هذه الدول ليثبتوا للعالم أنهم على حق، ولكي ترضى نفوسهم المريضة؟

وبهذه المناسبة يقوم صديق مغرم، منذ أكثر من نصف قرن، بزيارة «الأضرحة» والمدن المقدسة من اليابان مرورا بتايلند وإيران والعراق وحتى سيدنا البدوي في مصر، والأوزاعي في لبنان والسنوسي في ليبيا ومولاي عبدالله في المغرب. ويقول صديقنا انه لاحظ أن غالبية أماكن العبادة في العالم عادة ما تكون نظيفة ومرتبة، وترحب بشكل عام بالسائح والزائر، وحتى الفضولي، وتوفر للجميع الخدمات المناسبة، بصرف النظر عما إذا كانو زواراً عاديين أو متعبدين. ويقول إن الصورة تختلف تماما في أماكن العبادة والقداسة في الدول الإسلامية بشكل عام، حيث نجد أن غالبية هذه الأماكن تفتقر الى خدمات المواصلات السهلة والرخيصة وأماكن الاستراحة لكبار السن، وأن أوضاعها متهالكة، والأسوأ أن أماكن قضاء الحاجة فيها هي الأقل نظافة في العالم والأكثر سوءا، فلا خدمات عامة ولا مياه ولا نظافة، هذا إن وجدت أصلا! كما أن هذه المناطق تفتقر بشكل عام الى خدمات البنية التحتية بصورة مخجلة، فلا مياه جارية ولا مقاه ومطاعم نظيفة، وقال ان الأمور لم تتحسن كثيرا فيها منذ نصف قرن، عندما بدأ اول زياراته لمدن العراق. ويقول إنه لاحظ أمرا أسوأ وهو أن الوضع العام لهذه المدن في ترد مستمر بالرغم من الزيادة الكبيرة في عدد زائري تلك المدن، وبالتالي زيادة مدخول «المشرفين عليها» من السياحة الدينية، فلا فنادق نظيفة ولا مقاه ولا خدمات مواصلات يعتمد عليها ولا حمامات وهكذا، وهنا يتساءل عن سبب هذا الوضع المزري!؟ وبالرغم من جهلي بما يتحدث عنه قلت له ان الأمر ربما يعود بصورة أساسية إلى تخلفنا العام وإلى عدم اهتمامنا بما يكفي بالسياحة الدينية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكمن السبب في أن غالبية هذه الأماكن يتوارث الإشراف عليها، وتحصيل ما يتم التبرع به من أموال، أسر معروفة، وحلت مؤخرا أحزاب وعصابات قوية محل البعض منها، وليس من مصلحة هذه الجهات أو من أولوياتها الاهتمام بالمرافق العامة ولا بالخدمات الأرضية وما تحتها، خصوصا ان هذه المناطق كانت تاريخيا منسية من قبل الحكومات المركزية، واستمر الإهمال والنسيان «المفيد» إلى يومنا هذا. حتى عندما حاول البعض الاستفادة ماديا من النقص الشديد الذي تشكو منه هذه الأماكن في الخدمات والفنادق والمطاعم، لحقت بهم خسائر مادية بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية في تلك الدول، وقد تتعدل الأمور معهم «إن» استقرت الأوضاع الأمنية في تلك الدول، ولكن هل هناك أمل في ذلك؟.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top