«عبداللطيف الأرمني.. والتفاحات الثلاث».. انكشاف زمن الطيبين

حمد الحمد -

عندما علمت بصدور رواية أحمد الصراف وقعت في حيرة، فمن له انهماك دائم مع كتابة مقال يومي، حتما سيجد صعوبة في أن ينزلق ناحية الرواية، فالرواية لها مسالك أخرى في الكتابة ومصاعب ومعاناة، وتفكير دائم حتى تجد ذلك المخرج لكيفية التعامل مع شخوص روايتك. نعم قد تحتاج سنوات حتى تقتنع بالفكرة، وأنها تستحق أن تتحول بقلمك رواية على الورق، أو قد تحتاج أياما وأشهرا حتى تنتقل من فصل لآخر. وعندما وقعت رواية «عبداللطيف الأرمني.. والتفاحات الثلاث» لأحمد الصراف بين يدي تراجعت لفترة وتركتها لأيام، ثم انشغلت عنها لأسابيع حتى تشجعت أخيرا وبدأت بقراءة فصلها الأول، هنا أثار استغرابي أن تكون أول رواية للصراف عن شخص ارمني يدعى لطيف الأرمني.. وهنا تساءلت حيث من الصعوبة أن تخوض في حياة الآخرين من جنسيات أخرى وأنت لم تعش بينهم. بدأت بقراءة الفصل الأول وشعرت بمتعة القراءة، حيث انساب قلم الكاتب بالأسلوب الصحافي الواضح للجميع، فلم يتعمد أن يُزخرف الجُمل للابهار، وكان الطرح مباشراً بلا ألغاز، أو مُحسنات بديعية أو نهج فلسفي يقتل العمل من بدايته.

شخوص تتحرك

العمل هو رواية على شكل سيرة ذاتية لحياة أرمني كان يعيش في قرية عنتاب جنوب تركيا، وتأتي الحرب العالمية الأولى وتتساقط الدولة العثمانية ورقة ورقة، ويكون ذلك السقوط المؤلم على البشر قبل الحجر، ويكتشف جد بطل الرواية الأرمني أن شعبه عرضة للترحيل من قريتهم في ليلة وضحاها، لهذا يعيشون التهجير ناحية الجنوب حيث حلب في سوريا، والصورة اليوم نراها في تهجير السوريين من حلب وغيرها للأراضي التركية، هي صورة عكسية مؤلمة تعيد نفسها بعد أكثر من قرن كامل. وحيث انني من المُغرمين بكتب السير الذاتية، فقد وجدت الرواية ممتعة، حيث تداخلت حياة لطيف الارمني مع ملامح من حياة الكاتب، ووجدت شخوصها يتحركون أمامي وكأنني في فيلم سينمائي أجاد المخرج تنفيذه، لكن هي رواية مؤلمة تقدم لك صورة التشرد ومأساة الأرمن التي نقرأ ونسمع عنها، ولا نعرف تفاصيلها أو كامل حقيقتها. بطل الرواية الآخر هو الابن، انتقل مع موجة التهجير إلى حلب ومن ثم عاش هناك في مجتمع مسلم، لتكون مفاجأته في ابنه الذي انتقل إلى ديانة ثانية وهي الإسلام، لينفصل عن المحيط الذي يتعايش معه، ويهجر مسيحيته وارمينيته من اجل عيون امرأة، فأعلن إسلامه وتزوج مسلمة، ولكن عاش طول حياته كمسيحي مُلتزم.

الجانب الكويتي وزمن الطيبين

ليس من مهمتي بعد القراءة أن اكشف التفاصيل، وإنما اتركها لقارئ ما ان وقعت بين يديه الرواية، ولكن ما يهمني من الرواية، هو الجانب الكويتي منها، وخاصة عندما نجد الحفيد الأرمني الذي أطلق على نفسه «لطيف الارمني»، نراه في الكويت في أواخر الأربعينات وهو يدخل من السور بمدينة تحيطها الصحراء وجو مُكفهر حار، وساحة صفاة لا فيها مباهج حلب، ولا أضواء بغداد التي تركها بعد أن أقام فيها لفترة، ليأتي الى بلدة اسمها الكويت، بلدة لم يسمع عنها قط من قبل، بعد أن ترك زوجته وابنه يعودان من بغداد إلى حلب، بعد أن رفضت تلك الزوجة الترحال إلى المجهول. الرواية صدرت عن الدار العربية للعلوم، بيروت طبعة 2018، وهي من أربعة أجزاء وعدد صفحاتها 175 صفحة، تتمثل في مراحل زمنية مختلفة، وقد أجاد الكاتب تلك النقلات من فصل لآخر، وهذا التنقل لا يجيده إلا روائي مُحترف، وما يهمني من نسق العمل، هو تفاصيل الرواية حيث نجد تداخل حياة الارمني الذي استمع لقصته الكاتب، مع حياة الكاتب الشخصية عندما تنقل من عمل لعمل حتى نجده أخيرا في احد البنوك الكويتية، ليقدم ملامح من أجواء تلك الحياة المهنية التي انتهت بمأساة أو فساد، وحدث هو لا يريد تذكره رغم انه لا دخل له فيه.

لماذا التردد في الفسح؟

وأنا اعرض لهذا العمل السردي يأتي في فكري سؤال حائر، وجدته بعد قراءة آخر ورقة، وهو لماذا لم يُفسح العمل من الرقابة في بداية الأمر وحجز لفترة؟. لكن بنهاية القراءة اكتشف أن سبب المنع ملامح من فصول الرواية التالية وخاصة الفصول الأخيرة، حيث هناك انكشاف تام من قبل الكاتب لزمن الطيبين في ذلك الزمن الطيب، وتقديم ملامح صور مغايرة، والتحدث عن المسكوت عنه، أو أن هناك من لا يرغب أن تثار كل التفاصيل في ذلك الزمن الطيب وتشوهه. في نسق الرواية انكشاف تام لا نرغب أن يعيش في ذاكرة مجتمع، رغم أنها تصرفات بشر ولا شأن للمجتمع بأكمله فيها، من تلك المشاهد هجرة الشباب الموسمية إلى عبدان والدخول إلى «الدوب»، وحلم كل شاب بامرأة شاهدها هناك. أو هرولة «رجا» الرجل البسيط الأمي سائق الأجرة إلى حي الطرب شمالا كل نهاية أسبوع كما يفعل غيره، وهيامه بميادة الراقصة السابقة، حتى يطلب منها آخر الأمر أن تكون خطّابة له، وتبحث له عن عروس بنت حلال من حي ابو الخصيب، لتحقق ميادة رغبته ويعود بعروسه صافية الى الكويت لتنجب له سَعداً.

فساد واختلاس

والحديث عن سعد أخضر الكويتي صاحب العيون الخضر، الذي اختلس ما اختلس من البنك الذي يعمل فيه في فترة السبعينات، وفضيحة نهايتها كارثة، وتغطى كما تغطى الكثير من حالات الفساد، ولا ننسى في الرواية صورة أربعة من الشباب الكويتي: ناصر ومحمد كاش وجاسم العري ومحمد الثاني مع لطيف الارمني في الفندق الذي يسكن فيه الاخير، والذي أصبح هو مديره، وكأنه مالكه بعد أن سلّم إدارته له الكفيل الكويتي، يذكر الكاتب الأصدقاء الأربعة بألقابهم المُصطنعة «كنا أربعة مراهقين من مواليد منتصف الأربعينات، لا أتذكر مع مرور السنين الأحداث، وكيف التقينا ولا أتذكر حتى أسماءهم الكاملة أو انتماءات أسرهم السياسية والمذهبية» عموما رواية ممتعة سهلة الهضم ومؤلمة الأحداث في جوانب منها، تبدو وأنت تقرأ فصولها كأنك تشاهد فيلماً وثائقياً لحياة بشر عاشوا بيننا وغادروا.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top