القدوة غير المباركة

«..تقدم مراجعو دائرة خدمية في دولة عربية جميلة بشكوى إلى الوزير المختص، تعلقت باضطرارهم إلى دفع رشوة عشرة آلاف ليرة لمدير إدارة لكي يمرر معاملاتهم. استجاب الوزير للشكوى، لكن انتماء المدير إلى حزب ديني، وخوفاً من إغضابهم، قرر وضع كاميرات مراقبة سرية، ليكون لديه دليل يثبت تلقي المدير الرشوة. فرح المراجعون بالتدبير الجديد وتوقفت الرشوة، لفترة، وعاد بعدها المدير يطالب رشوة تعادل ضعف الرشوة السابقة، وعندما سألوه عن السبب، قال: عشرة آلاف لي وعشرة آلاف للمسؤول عن كاميرا المراقبة!».

***

في مجتمع مفتوح تنتقل فيه الأخبار سريعاً، وبشكلٍ مفصل ومصور أحياناً كثيرة، فمن الطبيعي أن تصبح أخبار الناجحين مالياً أو سياسياً محط أنظار الشباب، يتعلمون منها ومنهم أساليب وطرق تسلُّق سلالم النجاح المالي والسياسي، ومع الوقت يصبح هؤلاء السياسيون قدوة للكثيرين، ولا بأس في ذلك بالطبع إن كانت الأمور تتم بصورة مشروعة، وكان القدوة مثالاً للأمانة في العمل. ولكن عندما تختلط الأمور بعضها ببعض تحدث كارثة اجتماعية وأخلاقية. فقد لاحظ الكثير من طلبة الجامعة مثلاً أن الانخراط في العمل الحزبي السياسي، بالذات، في مرحلة مبكرة، يفتح أمامهم أبواب الحصول على وظيفة أفضل تالياً من غيرهم، وأسرع وصولاً، وأنهم، بفضل هذا الانتماء، سيحققون الكثير، وأصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً بعد التحرير، حيث شهدنا كيف وصل عدد كبير من المنتمين إلى الأحزاب السياسية لمراكز اتخاذ القرار، وصاحب ذلك أيضاً تحقيق بعضهم الآخر لثروات كبيرة نتيجة حصولهم على تراخيص لإدارة وتملُّك مراكز تعليمية وتدريبية واستشارية وهندسية وطبية عديدة، كانت لانتماءاتهم الحزبية الدور الحاسم في الحصول عليها، وعلى عقود تشغيلها، وبالتالي تحقيق نجاح مالي كبير، وتحولهم الى أصحاب مشاريع ضخمة، بالرغم من تواضع خلفياتهم الأسرية والمالية، وأصبحت بيوتهم قصوراً ومعالم، ومزارعهم مثالاً على البذخ، و«استبدلوا» بقديم زوجاتهم أخريات أصغر سناً، وعدم التردد في المباهاة بذلك ونشر صور الأفراح والسفر على مختلف وسائل التواصل، من دون احترام لشيباتهم وذقونهم الدينية، وكنا من ضمن من قدم التهنئة لهم.. سراً. كما رأينا كيف نجح بعض شباب الحراك من الوصول إلى أخطر مراكز التخطيط، وحتى إلى مراكز اتخاذ القرار، بعد أن كانوا قبلها بفترة قصيرة في الجانب الآخر من الصراع السياسي، وأصبحوا مثالاً آخر، ضمن عشرات الأمثلة الأخرى، على حقيقة أن المعارضة السياسية، كما الموالاة الشديدة، لها مردودها الإيجابي. وكان وصول هؤلاء المعارضين السابقين إلى أعلى المراكز مصدر حسد لغيرهم، حيث تمنوا أن يعود بهم الزمن إلى الوراء ليتمكنوا من تغيير مشاعر الموالاة للسلطة إلى مشاعر معارضة، والانخراط في الحراك الحزبي الديني.

أحمد الصراف




زوار الموقع
الارشيف

Back to Top