هل جاء دور تكوين الأحزاب السياسية؟

بينت جريمة قتل بشعة وقعت مؤخرا بؤس نظمنا التعليمية وفشل حكوماتنا المتعاقبة في خلق روح انتماء للوطن يتغلب على، -ويمحو بمرور الزمن- ما عداها من الانتماءات الضيقة، او على الاقل يقلل من أهميتها وسطوتها على الكثير من النفوس.
كتبت اكثر من مرة عن الكيفية التي يمكن فيها خلق شعور انتماء حقيقي عند حامل الجنسية الكويتية لوطنه أولا، وربما ثانيا وثالثا، وليس لمذهبه أو مرجعه الديني او قبيلته او الوطن الذي انحدر منه أجدادهِ وكان مصير أكثر ما كتبنا التجاهل التام، سواء من المواطن العادي أو من المسؤول!.
* * *
بدأت نشأة الكويت، كعاصمة وكوطن، مثلها مثل غيرها من المناطق الحضرية في العالم، نتيجة نزوح أعداد مختلفة من البشر ومن مشارب متعددة ومن المناطق المحيطة بهاِ وبدأت عملية الاندماج بين فئات هذا المجتمع التي اختارت الكويت وطنا جديدا لها تسير بشكل طبيعي، وان كانت تتصف بالبطء بسب عمق الفوارق بين فئة وأخرى.
وفجأة ومع سنة الاستقلال الأولى طرأ عاملان خطيران، هما: زيادة تدفق وكبر حجم العائدات النفطية من جهة، وتغير طريقة الحكم الى النظام الديموقراطي البرلماني من جهة اخرىِ وقد اثر هذان العاملان في المسيرة الطبيعية للتشكيل والاندماج الديموغرافي بين فئات المجتمع الكويتي، وأديا، ضمن أمور كثيرة اخرى، لحدوث ردة فعل معاكسة لدى شريحة كبيرة من المواطنين بعد ان وجدوا أن من مصلحتهم، ماديا وسياسيا، العودة لجذورهم السابقة والاصرار على سابق هويتهم والعمل بكل دأب على التجمع والتمركز في مناطق سكنية معينة وذلك من اجل الوصول للسلطة التشريعية التي عن طريقها يمكن الوصول والحصول على المزايا المادية 'النفطية' والنفوذ السياسي والاجتماعي الذي يتبع ذلك بصورة تلقائية.
وجد هذا الأمر استجابة وهوى لدى الاجهزة الأمنية وقتها، حيث اعتقدت هذه بأن وجود مثل هذه التكتلات القبلية والطائفية والعرقية صغيرة الحجم والمفتتة والمتناثرة والمتنافرة سوف يساعدها في التحكم بمخرجات العملية الانتخابية وفي السيطرة بالتالي على مختلف الأوضاع الاجتماعية والأمنية، تطبيقا لنظرية 'فرق تسد'!!ِ والغريب أو المؤسف ان كافة مناهج التربية والتعليم البدائية دفعت في هذا الاتجاه، قصدا أو بغير ذلكِ ولم تحاول قط محاربة هذه المشاعر والانتماءات القبلية والشعوبية والمذهبية الضيقة، هذا إن لم يكن العكس هو الصحيحِ كما عجزت الآلة الاعلامية الرسمية والشعبية عن خلق روح انتماء موحدة بين المواطنين مع بدء تدفق عوائد النفط لجيوبهم، في الوقت نفسه الذي وجدت فيه الديموقراطية طريقها لعقولهم وهو الوقت نفسه الذي اكتشفت فيه شريحة كبيرة من المواطنين، او من تصدى لتمثيلهم سياسيا، وقبل ذلك مذهبيا وقبليا، ما يمكن الحصول عليه من نفوذ ومزايا ومكاسب اجتماعية وسياسية ومالية عن طريق القبلية والطائفية، خاصة بعد ان منعت السلطة السياسية، جهلا أو عندا، تأسيس وإشهار أحزاب سياسية مدنية، وهو الأمر الذي دفع بالكثيرين للتكتل والتعاضد ومحاولة تشكيل مراكز ضغط داخل المجتمع، الأمر الذي أدى لخلق وتشكيل تجمعات سياسية ذات قواعد قبلية أو طائفية معينة.
وهكذا نرى ان هذا 'التباعد' الوطني وذلك الانتماء القبلي والمذهبي الحاد المكمل له كانا من الممكن ان يكونا أقل خطورة وحدة لو توفرت المناهج الدراسية الملائمة من جهة، ولو كانت هناك أحزاب مدنية سياسية علمانية تسد الفراغ السياسي الذي نتج عن الخيار الديموقراطي من جهة أخرى!.
إن ما نراه اليوم ونسمع به من حوادث عنف وردات فعل دموية نتيجة لتصريح هنا أو تعليق هناك يمس هذه الفئة أو تلك المجموعة، لم يحدث من فراغ، بل جاء نتيجة طبيعية لما تلاقيه تلك الأفعال والتصرفات من 'تسامح' وغض نظر حكومي، وبسبب غياب نظرتها التعليمية السديدة وتخلف رسالتها الاعلامية التي فشلت جميعها في ان تجعل الكويت الوطن والتراب، ولدى شريحة من المواطنين، تأتي أولا، وقبل كل شيء آخر!.
أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top