من الذي غرر بهم؟

حضرت قبل ايام، مع آخرين لم يتجاوز عددهم المائتين، المهرجان الخطابي الذي أقامته جمعية الخريجين بمناسبة الأحداث الاخيرة التي وقعت في البلاد والتي ذهب ضحيتها الجندي الاميركي وزميله المصاب.
بالرغم من أهمية الموضوع وارتباطه التام بمصير الكويت وما يتطلبه الامر من ضرورة ابراز وجهها المتسامح والممتن، الا ان عدد الحضور لم يكن بمستوى الحدث اطلاقا، وكان اقل من المتوقع بكثير، حتى رواد ديوانية الاثنين الذين طالما لعلع صوتهم في اكثر من مناسبة فارغة، تغيبوا جميعا، الا بضعة منهم، عن ذلك المهرجان، بالرغم من الدعوة التي وجهت إليهم شخصيا، فردا فردا، كتابة وشفاهة ونشرا في الصحف.
توافد على منصة الخطابة عدد من ممثلي الجمعيات الأهلية والحركات السياسية، وفي غياب تام لكافة ممثلي الاحزاب والقوى الدينية، بمن فيهم اصحاب تلك الاقلام التي استنكرت حادثة الاعتداء كتابة، ربما ذرا للرماد في العيون.
أدان كافة الخطباء الحدث الآثم، وتقدموا بتعازيهم للسفير الاميركي الذي كان موجودا في تلك المناسبةِ وذكر أكثر من خطيب منهم أن الذين قاموا بذلك الفعل شباب غرر بهم! ولكن لم يتطرق أي منهم لمن كان وراء عملية التغرير بهم، ولا للأسباب التي أدت بهم، وربما بمئات غيرهم، للوصول إلى تلك الدرجة من التفكير والتكفير بحيث عميت عيونهم عن رؤية الحق والتفريق بينه وبين الباطل.

لم استطع التعليق على حادث الاعتداء الجبان وقت وقوعه بسبب وجودي خارج البلاد ولشعوري بأن ما كنت سأكتبه ـ وأنا في قمة غضبي، بعد أن تبين لي ولعشرات غيري، بأن ما حذرنا منه في مئات المقالات قد وقع بأسرع مما كنا نتوقع ـ سوف لن يجد طريقه للنشرِ ولكني حرصت، وهذه حالة نادرة، على شراء 'القبس' وأنا في اجازة عمل وراحة، ليس لتتبع اخبار الحادث، بعد ان غطته القنوات الفضائية العربية والاجنبية ووفت، بل لقراءة نبأ استقالة الحكومة بسبب مسؤوليتها، متضامنة، عن ملابسات حادث جزيرة فيلكا.
لم أقرأ في ذلك اليوم عن الاستقالة، ولكني سعيت لشراء عدد آخر فربما أقرأ فيه نبأ استقالة أحد نواب الرئيس فيها ولكن لم يحدث ذلكِ بررت الأمر في حينه، وأنا بعيد عن الكويت، بأن أمر الاستقالة مهم، وبالتالي يتطلب الأمر الانتظار قليلاِ
بسبب المرض الذي ألم بي فجأة، تحاملت على نفسي في اليوم الثالث وسعيت جاهدا للحصول على الجريدة ممنيا النفس بقراءة نبأ استقالة وزير الداخلية، ولكن هذا لم يحدثِ تواضعت توقعاتي في اليوم الرابع وقبلت بنبأ استقالته وزير العدل والأوقاف الاسلامية أو حتى وزير التربية والتعليم، ولكن لا شيءِ تنازلنا أكثر في اليوم الخامس وتوقعت قراءة نبأ استقالة وزير الشؤون الاجتماعية او حتى وكيل وزارة الداخلية أو الوكيل المساعد، ولكنهم جميعا خيبوا ظني، وزادوا بالتالي من معاناتي الناتجة عن المرض والبعد عن الأهل والوطن، ولكن بالرغم من كل مشاعر الخيبة التي كنت أشعر بها وآلام المرض التي كانت تنتابني وطعم المرارة الذي كان يملأ فمي ومشاعر الوحدة التي تحيط بي، إلا ان صورة كل أولئك الذين غرروا بالكندري والهاجري، والآلاف غيرهما من الشباب، لم تغب عن ذهني، ولو للحظة واحدة، فهؤلاء هم الذين يجب محاسبتهم وتحميلهم المسؤولية عن هذا الحادثِ اما أولئك الذين قاموا مباشرة بالتنفيذ فما هم الا أبناء هذه البيئة التي تم توفيرها وتجهيزها لهم من قبل آلاف الاجهزة والمؤسسات الحكومية أو الجهات الأهلية المتمتعة بتراخيص وبركات وتغطية رسمية وقانونية بدون حدود، والتي ساهمت بشكل أساسي في تشكيل افكارهم السياسية ورؤاهم الدينية، وهو الأمر الذي عادة ما يشار إليه بالتحالف الحكومي الديني المتخلف، والذي بدأ مع حركة الاخوان المسلمين في الكويت في نهاية الاربعينات، مرورا بالعقود الثلاثة الاخيرة، التي بلغ فيها التحالف قمته.
هل يحتاج الأمر الى مزيد من التوضيح؟.

ملاحظة:
نشكر وزير المالية على قراره الحكيم المتعلق بربط الدينار بالدولار الاميركيِ كما نشكر محافظ البنك المركزي على موقفه من القرار، والذي سيبعد البنك عن الشبهات التي طالما كتبنا وحذرنا منها.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top