نحن واميركا الجنوبية (1)

عندما يصبح للانتصار على الاخ الشقيق، وفي اي مجال كان، لذة مميزة تزيد وتختلف عن لذة الانتصار على الآخرين، وعندما يصبح طعم الهزيمة على يده اكثر مرارة وسوءا من طعم الهزيمة على يد الآخرين، فإن علينا وقتها ان نتساءل عن حقيقة هذه الاخوة!!
دعونا من كل سفسطات الكلام وكل ما تعلمناه في المدرسة من ادعاءات وما سمعناه عبر الاذاعات من شعارات، وما ألقي على اسماعنا من خطب رنانة وما قرأنا من مقالات، وما انشدنا من معلقات من خلال الصحف والمجلات عن حقيقة العوامل او الاسس التي تجمع شعوب مختلف الدول العربية وتدفعها لكي تتحد وتكون فيما بينها ولايات عربية متحدة.
بالتدقيق في حقيقة الظروف المحيطة بحياة كل شعب ينطق باللغة العربية نجد ان ما يجمع السنغالي بالسوداني مثلا اكثر بكثير مما يجمع ايا منهما باللبناني على سبيل المثالِ كما نجد ان العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والمالية والجغرافية التي تجمع الجزائري بالكويتي مثلا تكاد لا تذكرِ وعليه من المهم ان نبدأ اولا، وقبل كل شيء، بتحديد الفوارق بين مختلف الشعوب العربية وبعدها نستطيع ان نحدد عما اذا كان بالامكان التحدث او حتى الحلم بإمكانية قيام وحدة عربية تجمع كافة الدول الاعضاء في الجامعة العربية على الاسس والقواعد الموجودة حاليا!
لو نظرنا الى شعوب اميركا الجنوبية على سبيل المثال لوجدنا انها تنحدر في غالبيتها العظمى من اصول اسبانيةِ كما تعتبر الاسبانية لغتها الرئيسية والوحيدة تقريبا، باستثناء البرازيل، المستعمرة البرتغالية السابقة، اضافة الى بعض الاقليات العرقية التي تنتشر هنا وهناك.
كما تدين كافة شعوب اميركا الجنوبية، وبلا استثناء، بالكاثوليكية كدين رسمي وشعبيِ كما نجد ان امورا كثيرة اخرى تجمع شعوب تلك الدول، كالملامح والسمات العامة والعادات والتقاليد المحلية المشتركة والانظمة الغذائىة والمحاصيل الزراعية والملابس وغيرها الكثير، ولكن بالرغم من كل هذه العوامل المشتركة، والتي تعتبر اقوى واكثر بكثير من العوامل التي تجمع الدول العربية، لم تقم اي جهة منها او من خارجها بمحاولة جدية او غير جدية لجعل تلك القارة 'ولايات متحدة جنوب اميركية'!! فما يفرق هذه الدول في حقيقة الامر، بالرغم من قلته، اكثر قوة مما يجمعها، وهذا الامر نراه بصورة اكثر حدة بكثير بين مختلف اعضاء جامعة الدول العربية.
ولو قمنا على سبيل المثال باستعراض مختلف الازياء الشعبية او اغطية الرأس التي تستعمل من قبل مختلف الشعوب العربية لوجدنا ان الفوارق بينها شاسعة واسعة لا يمكن تخيلها، فما يمكن اعتباره زيا وطنيا هنا قد يكون مصدر سخرية من شعب دولة شقيقة اخرى!! ولو نظرنا الى ما يصاحب مراسم الدفن من طقوس، في دولة مثل مصر على سبيل المثال، لوجدنا ان هذه الطقوس نفسها تعتبر في دول عربية اخرى، تنتمي للدين والمذهب والاعتقاد نفسها نوعا من الكفر الذي لا يمكن السماح به على الاطلاقِ ولو جمعنا ما تصرفه نسبة كبيرة من اسر دول مجلس التعاون قليلة السكان على التعليم او السفر او حتى الترفيه، لوجدنا انه يتجاوز بكثير الدخل الاجمالي السنوي لعدة اسر في اكثر من دولة عربيةِ ولو نظرنا الى قائمة طعام اسرة يمنية لوجدنا انه من غير الممكن مقارنة ذلك بما يقدم على المائدة الشامية مثلا، سواء من ناحية التنوع او القبول العام للطعم والمذاقِ اما طبق 'الملوخية بالارانب'، الشهيرة والفاخرة في مصر فإنه سوف ينال درجة متدنية جدا عند بقية الشعوب العربية.
ولو اتفقنا على الحد الادنى من العوامل التي نعتقد انها كافية لتكون نواة لوحدة عربية كعاملي الدين واللغة لوجدنا، وبعد مرور اكثر من سبعين عاما على انتشار استعمال الراديو، والسينما، والتلفزيون في مرحلة لاحقة، ان الفوارق بين 'اللغات' العربية، ولا نقول اللهجات فتلك مصيبة اعظم، كبيرة الى درجة يصعب فيها مثلا على المواطن المغربي العادي التفاهم بسهولة مع مواطن سوداني عادي من خلال اللغة نفسها، اما بسبب اختلاف المعاني بين دولة واخرى، او بسبب طريقة لفظ كل منهم للكلمة نفسها.
(يتبع)

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top