رسالة الى المعنية بالأمر (3/1)

ازدادت في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حدة ووضوح الفوارق في مستويات المعيشة بين دول العالم نتيجة للتقدم الاقتصادي والصناعي والزراعي لعدد قليل منها، مع استمرار تخلف وزيادة فقر النسبة الأكبرِ ويمكن القول بشكل عام أن دول العالم الثالث تحتاج في معيشتها الى كل، او معظم، ما تستطيع الحصول عليه من منتحات مادية او زراعية او فكرية تقوم الدول المتقدمة بانتاجهاِ كما تسعى هذه الاخيرة الى الحصول على كافة الموارد الطبيعية والمواد الاستراتيجية التي تمتلكها مجموعة من الدول المتخلفة بأفضل الشروط وأرخص الاسعارِ وهذا لا يمكن ان يتم ويستمر الا مع استمرار تخلف هذه الدول واستمرار عجزها في استغلال مواردها الطبيعية بطريقة افضل.
ومن هذا المنطلق يمكن تفهم، او تصور، بعض الاسباب التي دفعت عددا من الدول الاوروبية الفقيرة في مواردها الطبيعية إلى القيام بحركاتها الاستعمارية لدول منطقة الشرق الاوسط وافريقيا بالذات، الغنيتين بمواردهما الطبيعية والمعدنية الهائلة وغير المستغلة، وايضا للاستفادة من المواقع الاستراتيجية المهمة لدى بعضها.
وعليه يمكن القول إن تخلف دولة ما وامتلاكها في الوقت نفسه لمورد طبيعي او منتج استراتيجي مهم كالنفط او اليورانيوم او وقوعها على ممر مائي مهم مثلا، كاف لكي تقوم الدول الاكثر قوة وتقدما منها باستغلالها واستعمارها للحصول على مواردها بأفضل الشروط.
وعندما حان وقت زوال الاستعمار المباشر مع اطلالة تباشير الحرية على مختلف دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، جاء دور الاستعمار غير المباشر، والذي شاركنا نحن شعوب دول العالم الثالث في تقبله وترسيخ مفاهيمه وانجاح وسائلهِ فالاستعمار، بكل اشكاله، لا يمكن ان ينجح من غير بقاء الأوضاع التعليمية والاجتماعية ـ في الدول المتخلفة ـ من دون تغيير، تلك الاوضاع التي تلعب الدور الأكبر في استمرارها وترسيخها! فكراهية العمل اليدوي ومنع تعليم الفتيات وقلة عدد المدارس وتهميش دور المرأة الاجتماعي والسياسي ومنع المناداة بمبادئ حقوق الانسان وتغييب وعي المواطنين عن كل ما يتعلق بقضايا الحرية والاخاء والمساواة، وانتشار السجون والمعتقلات واحتقار ديانات الاقليات ونبذهم من المجتمع وتحريم دخولهم الاجهزة الأمنية والعسكرية وانهيار قيم افراد المجتمع وكرامتهم وانسانيتهم والتنكيل بهم وبالكتاب والمفكرين ووضع مختلف قيود الرقابة على وسائل الاعلام، كلها أمور أدت، ولاتزال تؤدي الى تخلف الشعوب واستمرار تأخر مجتمعاتهاِ ولا نستطيع الادعاء بأن المستعمرين هم الذين يقفون وراء مثل هذه الامور، ولكن يمكننا القول إنها لم تفعل الكثير للقضاء عليها، هذا مع الافتراض أنه كان، ولايزال، مطلوبا منها القيام بذلكِ وحتى لو فعلت ذلك لاتهمناها بالتدخل في أمورنا الداخلية ومحاولة التأثير على معتقداتنا وتقاليدنا!.
ومن المعروف، في هذا السياق، ان اجهزة مخابرات الدول الغربية، والاميركية بالذات، كانت ولسنوات طويلة وحتى الحادي عشر من سبتمبر 2001، من الممولين الرئيسيين لصناديق الكثير من التنظيمات الدينية، سواء المتطرفة منها أو 'المعتدلة'ِ كما كانت تلك الاجهزة الراعية الرئيسية للعديد من المؤتمرات والحلقات النقاشية الدينية الدولية! وكان غالبية من شاركوا في تلك المؤتمرات اما من غير المدركين لهوية الجهات التي كانت تقف وراء تلك المؤتمرات، او انها كانت تعرف، ولكنها فضلت الصمت لاعتقادها بوحدة الهدف بينهم وبين الاجهزة السرية لتلك الدول الراعيةِ ولم يكن اغلب اولئك المشاركين يدركون أن هدف تلك الاجهزة لم يكن خدمة الدين بحد ذاته، بل لاستغلاله في محاربة الخطر الذي كانت تمثله الشيوعية عليها، في ذلك الوقت، من جهة، ولنشر ثقافة الجهل والتخلف من جهة أخرى، عن طريق استغلال الرموز الدينية في نشر الخرافات والخزعبلات وابعاد الشعوب بالتالي عن قضايا التطور والتقدمِ ومن المعروف ان الكثير من الشخصيات الدينية، التي لاتزال تعيش بيننا او المتوفاة، والتي شكلت، ولاتزال تشكل، ظواهر بارزة في حياة الكثيرين منا، خرج أغلبهم من تحت عباءة تنظيم الاخوان المسلمين الدوليِ كما ان المدارس الدينية في باكستان هي التي فرخت طالبان والملا عمر، وهذا الاخير هو الذي احتضن بن لادن وغيره من الارهابيين الدوليين!.
ان غالبية هؤلاء لم يكن ليكتب لهم حظ الظهور والبروز لولا ذلك الدعم المادي والمعنوي الهائل الذي جاءها من المخابرات الغربية، والاميركية بالذات، اما مباشرة او عن طريق مجموعة من الحكومات والتنظيمات العربية الغنية الاخرى.
لهذا السبب، ولمجموعة اخرى من العوامل، استمر تخلف الشرق، واستمر استغلال الغرب، او الآخرين، لهذا التخلف الذي مكنهم، لسنوات طويلة، من الحصول على موارده بأفضل الشروط وبأرخص الاسعار، وباسترداد ما قام بدفعه من ثمن زهيد لها عن طريق بيعها مختلف المنتجات الصناعية والفكرية والمعدات والاسلحة كما نجحت تلك الدول الغربية، وبشكل منقطع النظير، وبصورة مباشرة وغير مباشرة، في منع قيام أي صناعة او حركة يمكن ان تسهم في تقدم تلك الدول وفي تحولها من مجتمعات استهلاكية متخلفة، الى مجتمعات متقدمة أكثر 'قابلية' وقدرة على التقدم والانتاج التقني.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top