رسالة الى المعنية بالأمر (3/2)

حدث زلزال الحادي عشر من سبتمبر، وتغير العالم بصورة لا يمكن ان يعود فيها الى ما كان عليه قبلها، وحدث انقلاب شمل مختلف نواحي حياتنا نحن بالذات الذين كنا، بإرادتنا او بغير ذلك، طرفا فاعلا في وقوع تلك الاحداث الرهيبةِ وتوقفت عجلة التفكير الغربية، والاميركية بالذات، للحظة لكي تحاول الاجابة عن اسئلة مثل:
لماذا وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر؟
ما هي الجهات التي وقفت وراء تلك الاحداث؟
لماذا تكرهنا الكثير من دول العالم الى هذه الدرجة؟
اين اخطأنا، وكيف يمكن تجنب تكرار وقوع احداث تخريبية مماثلة؟
يمكن القول ان ما ادى الى وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر يعود، في جزء كبير منه، الى اجمالي التصرفات والسياسات الحكومية التي اتبعتها الادارات الاميركية المتعاقبة، في الفترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحتى الحادي عشر من سبتمبر، سواء داخل الولايات المتحدة او خارجها، والتي ادت الى اتخاذ مختلف الشعوب والجماعات والافراد مواقف اتسمت بكراهية شديدة لكل ما تمثله 'الثقافة الاميركية' من تشجيع على التطرف في الاستهلاك والحرية المطلقة من جهة، ومركزية حكومية شديدة من جهة اخرىِ وعبرت تلك الكراهية عن نفسها داخليا في حادثة 'اوكلاهوما'، وخارجيا في حوادث الاعتداء العديدة على المصالح والمؤسسات الاميركية، وانتهاء بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وفي محاولة من الادارة الاميركية لتفادي تكرار وقوع مثل هذه الاحداث الرهيبة، ومن اجل السيطرة، او التغلب على مشاعر الكراهية ضدها، ولكي تحافظ على تقدمها التكنولوجي، مع كل ما يمثله هذا التقدم من رفاهية للفرد الاميركي، ولكي تستمر اميركا القوة الاعظم في العالم، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، ومن اجل القضاء على كل ما يمكن ان يمثل خطرا على أمنها وسلامة مواطنيها وتقدمها، فقد قررت الادارة الاميركية التحرك في عدة اتجاهات:
قامت اولا بتشديد الاجراءات الامنية داخل الدولة عن طريق انشاء وزارة تعنى بالامن الداخلي تخضع لها كافة الاجهزة الامنية المتناثرة والمتنافرة احياناِ وقامت هذه الوزارة الجديدة بمراقبة كافة الجهات والتنظيمات المسلحة والمتطرفة فكريا داخل اميركا التي يشكل نشاطها خطرا على امنها وسلامتهاِ كما قامت من جهة اخرى بالتدقيق في هويات الراغبين في الدخول اليهاِ كما منعت جنسيات معينة من الدخول، وقامت اضافة الى ذلك بفتح ملفات امنية لكل الطلاب العرب والمسلمين فيها.
اما خارجيا فإن مهمتها كانت اصعب واخطر من ذلك بكثيرِ فأميركا اليوم غير اميركا القرن الماضي، والعودة الى سياسة الانعزال والانكفاء على النفس غير ممكنة في هذا العالم الذي تداخلت فيه المصالح، وتشعبت العلاقات فيما بين مختلف دوله، خاصة بعد وضع 'العولمة' موضع التطبيق، بكل ما تمثله من تداخل وتشابك في المصالح والمصير المشتركِ وعليه كان لابد من التحرك خارجيا والقضاء على مصادر وجذور الارهاب، والاهم من ذلك على مسبباته، حتى ولو تطلب الامر العمل على تغيير انظمة واساليب الحكم في عدد من الدول بطريقة سلمية، او بقوة السلاحِ كما قررت كذلك، سلما او جبرا، التأثير في طرق التربية والتعليم في عدد من الدول الاخرى، سواء ما عرف عنها رعايتها للارهاب، او تلك المتعاطفة معه.
كما اعتقدت الادارة الاميركية ان بعض الانظمة الدكتاتورية، او الثيوقراطية الدينية، تمتلك او في سبيلها لامتلاك اسلحة دمار شامل، يشكل وقوعها في ايد 'غير مسؤولة'، خطرا على الحضارة الغربية بمجملهاِ ولهذا رأت الادارة الاميركية ان من واجبها، كحامية لتلك الحضارة، التحرك لمنع وقوع هذا الامر، ولذلك قامت بالعمل على اصدار مختلف القرارات الدولية التي ادانت حكومة طالبان لعدم تعاونها مع المطالبات الاميركية المتعلقة بتسليم المشتبه فيهم، من امثال بن لادن، لمحاكمتهم، والتخلي عن فكرة دعم الارهابِ كما قامت من جهة اخرى بالترويج لنظرية 'مثلث الشر' الذي شملت فيه العراق وايران وكوريا الشمالية، وقررت التعامل مع كل طرف بطريقة واسلوب مختلفينِ فالاقناع والمنطق قد يفيدان مع ايران، والطعام والمساعدات قد تقنع كوريا الشمالية، اما العراق فإن التهديد بالحرب، او الاكثر من ذلك، هو السبيل الوحيد للتخلص مما يمتلكه من اسلحة دمار ووقف دعمه للجماعات الارهابية، مع كل ما يشكله ذلك النظام من تهديد لامن دول المنطقة!!
وهكذا انطلقت حملة عسكرية غربية بقيادة الولايات المتحدة، ودعم دولي واسع للقضاء على نظام طالبان، بعد ان فشلت كافة الوسائل السلمية في اقناع قادة تلك الدولة بالتخلي عن دعم الارهاب.
كما قامت الادارة الاميركية بإعداد قائمة اتهام شملت اسماء عدد من المنظمات والافراد الذين تعتقد بتورطهم في اعمال ارهابية، وطالبت مختلف دول العالم بمصادرة ارصدة تلك الجهات والقاء القبض على افرادها ومحاربتهم بكافة الوسائل، وقطع العلاقات، بكافة اشكالها، مع انظمتها السياسية.
كما قامت الادارة الاميركية كذلك بالضغط على مختلف الدول لمحاربة جرائم تنظيف الاموال ومراقبة ما يذهب منها الى المنظمات الارهابية، كالقاعدة وغيرهاِ وقامت بمراقبة ارصدة وحركة اموال الجمعيات الخيرية في عدد من الدول العربية والاوروبية والاسيوية الاخرىِ ثم جاءت الخطوة التالية، التي تمثلت في ضرورة 'فرض' النموذج الديموقراطي الغربي في الحكم على بعض الانظمة، لاعتقاد الادارة الاميركية ان غياب الديموقراطية في الكثير من دول العالم الثالث كان السبب الرئيسي وراء ما عانته، وما تعانيه، شعوبها من مستويات معيشية متدنية نتيجة لتخلف وفساد انظمة الحكم فيها، وهو الامر الذي مهد الطريق بالتالي لنشوء الحركات الارهابية فيها، او دفعتها على الاقل لمساندتها واحتضانها.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top