كيف ندخل التاريخ؟

لماذا يتجه كل هذا العدد الهائل من الطلبة، ذكورا واناثا، وبمحض ارادتهم، من خريجي المدارس المتوسطة او الثانوية في جميع الدول الاسلامية الى الدراسة في المعاهد الدينية وكليات الشريعة والحوزات الدينية؟.
ولماذا ترسل نسبة كبيرة من الاسر ابناءها للدراسة الدينية وهم صغار، دون ان تنتظر لتعرف حقيقة ميولهم الدراسية وقدراتهم العقلية؟.
ولماذا لا تزال حكومتنا تصر، ليس فقط على استمرار صب المئات من خريجي كلية الشريعة في سوق العمل، على الرغم من انعدام الحاجة لتخصصاتهم، بل وعلى زيادة المشكلة بايفاد المئات من خريجي الثانوية العامة سنويا لدراسة الشريعة على حسابها في الاردن والامارات وجهات اخرى؟.
وهل نحتاج حقا الى كل هذا العدد الهائل والمخيف من خريجي المعاهد والكليات الدينية في مجتمع مدني، يفترض ان يكون متحضرا وتحكمه مجموعة متقدمة من القوانين والشرائع العصرية، وبوجود سلطة تشريعية واضحة المهام والمعالم؟!.
ما الذي يجعل، او يشجع، هؤلاء على نبذ الدراسات العلمية، والاتجاه إلى الدراسات النظرية؟.
لماذا لا نجد لدينا من يهتم بالأعمال التي ينتج عن مزاولتها تساقط العرق واتساخ الملابس واليدين؟
هل يعود ذلك إلى ما تكنه مجتمعاتنا من احتقار بالغ لكل صاحب حرفة؟
ام بسبب ما تشكله مهنة رجل الدين من جاذبية ووقار للبعض، وما يتمتع به مزاولها من وضع اجتماعي مقبول؟
ام ان مهنة رجل الدين جاذبة بسبب سهولة اكتساب معارفها ودخلها المضمون وما يصاحب مزاولتها من راحة لا تتطلب غير الكلام وقول ما يرضي الخالق والمخلوق؟
اسئلة عديدة ليس من السهل الاجابة عنها، ولا تكمن الصعوبة بالطبع في الجواب، بقدر تعلقها بالمناخ المتزمت الذي نعيش فيه وبالعصبية المورثة للتخلف التي تتحكم في الكثير من افعالنا، والتي تمنعنا عادة من قول ما نريد بالطريقة التي نريد من دون ان نتعرض للاذى المادي او المعنوي او كليهما!!
لكن لا يعني هذا ترك هذه القضايا دون التصدي لها بطريقة او بأخرى، وهذا ما نقوم به وتقوم به مجموعة قليلة من الزملاء الكتاب الذين انحصرت فيهم عملية القيام بإيصال هذه الرسالة الاجتماعية المهمة، بسبب سيطرة الحكومة التامة على وسائل الاعلام والتثقيف الاخرىِ وحيث ان جهود هؤلاء، مهما سمت، تبقى جهودا فردية وذات تأثير محدود، فإن من المهم بالتالي التركيز على دور وزارة التعليم ومناهجها الدراسية، حيث يمكن عن طريقها فقط تغيير طريقة التفكير عند الفرد وهو صغير.
انها مهمة ليست بالهينة، ولكنها ليست بالمستحيلة في الوقت نفسه، فقد سبق ان طبقت في عشرات الدول الاخرى وثبت نجاحها، ولكن هل هناك من هو على استعداد لان يأخذ زمام المبادرة ويخلد اسمه في التاريخ؟ اشك في ذلك!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top