نكتب لإبراء الذمة

اتصلت بي قارئة عزيزة تلومني على زيادة الجرعة الدينية في مقالاتي الأخيرة، طالبة مني التركيز بشكل أكثر على الخفيف والمتنوع من المواضيع!
وعلى الرغم من أن طبيعتي البشرية أكثر ميلا للفكاهة والمرح منها للتزمت والتشدد أو 'التقلدم'، فإن التحديات التي أصبحنا نواجهها، أفرادا وشعوبا ودولا، وفي كل لحظة من حياتنا، فرضت علينا، ككتاب وكبشر عاديين، الكتابة والحديث عن الأمور المصيرية، وتجنب الخوض، ولو موقتا، في غيرهاِ ولا أعتقد أن هناك تحديا يواجهنا جميعا، يزيد في خطورته عن التحدي العقائدي الديني.

يشكل المسلمون سدس عدد البشرية تقريباِ ولو قمنا بتحييد الصغار وكبار السن منهم وأولئك الذين يعيشون في مناطق نائية عن كل ماله علاقة بالحضارة ووسائل الاتصال الحديثة، وحتى المتخلفة منها، وأضفنا اليهم السواد الأعظم من المسلمين المسالمين الذين لا حول لهم ولا قوة، والذين لم يسمعوا قط بالزرقاوي وقبله بن لادن أو غير لادنِ لوجدنا أن عدد المسلمين 'الفعالين على الساحة الدولية' يكاد لا يذكر.
ولو علمنا بأننا كمسلمين لا نختلف في شيء عن بقية شعوب الأرض، ولأي أمة انتموا، ففينا الأسود والأصفر والأبيض والأحمر والقصير والطويل والجاهل والمتعلم، وبلادنا تتنوع درجات حرارتها وتختلف تضاريسها كبقية دول العالم الأخرى، وتحد بلاد العالم الاسلامي بحار وبحيرات ومحيطات من كل صوب، كما لا يختلف طعام المسلم عن غيره في شيء من ناحية السعرات الحرارية أو كمية الفلفل ومختلف البهارات التي تضاف إليها.
فإذا كنا، ولأكثر من ألف عام، وقبلها بمليار سنة أو يزيد، مثل بقية البشر، نمتاز عن بعضهم بأشياء ويمتاز آخرون عنا بأشياء، فلماذا أصبحنا، فجأة، من أكبر شاغلي نشرات الاخبار، ومالئي سمع وبصر وسائل الاعلام، والمتهمين الرئيسيين عند وقوع أي عملية قتل أو اغتيال سياسي أو تفجير عبوة أو نسف مبنى أو انفجار جسد ملغوم في قطار أو طائرة تحمل ركاب أبرياء؟ ولماذا أصبح طريق الجنة، في أحيان كثيرة، يحتاج الى قيادة وانيت واختراق الجموع به للتسبب في احداث أكبر عدد من الضحايا، الأبرياء عادة؟
هذه التساؤلات تقودنا بشكل هادئ وطبيعي، وقبل ذلك عقلاني، إلى موضوع الطريقة التي نصر فيها، دون بقية شعوب الكوكب الأرضي، على فهم العقيدة الدينية وممارستهاِ ليس فقط بكوننا أفضل الخلق، بل وبإصرارنا على ان يقوم الآخرون بالاعتراف لنا بذلك على رؤوس الأشهاد، وتحملهم تبعات هذا الاعتراف.
وعليه، فإن هاجس فهم العقيدة الدينية وممارستها، أمر غاية في الخطورة، ويمكن أن يكون بحد ذاته سببا مباشرا في انهيار أمة، او قيامها من تحت رماد النسيان.
فصلاح هذه الأمة وتقدمها مرهونان بطريقة فهمنا وتعاملنا مع الآخرين، فالإصرار على أننا 'قوم لا توسط بينناِِ لنا الصدر دون العالمين أو القبر' سوف لن يؤدي بنا في نهاية المطاف إلا إلى ذلك القبرِ علما بأن أحد أقدامنا أصبحت متدلية بداخله بانتظار من يقوم بدفعنا إلى الهاويةِ إن مصيري ومصير أبنائي وأهلي، وقبل كل ذلك وطني، في خطر من تنامي موجة التطرف الديني التي تلفنا جميعا والتي أثرت ـ وستؤثر بدرجة أكبر ـ ليس فقط في رفاهيتنا، بل وفي كامل وجودنا.
ومن أجل المساهمة، ولو بقدر متواضع، في إيقاف حدوث مثل هذه الكارثة نكتب في الشأن الديني لنفضح المتاجرين به، ونبين خطر غلاة المتطرفين، ولكي نبرئ ذمتنا.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top