السذاجة الكويتية

في حرب 1967 بين بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر، وبين اسرائيل، والتي سميت بحرب الأيام الستة، وكأن من اطلق عليها تلك التسمية يقرأ المستقبل ففرق بينها وبين حرب الخليج الاولى التي استمرت 8 سنوات بين العراق وايران (!!!)ِ في تلك الحرب وقفت اميركا وبريطانيا في صف اسرائيل، ووقفت روسيا في صف العرب، اما القوة الرابعة 'فرنسا' فقد حذرت من انها ستكون في الصف المعادي لصف من يبدأ الحرب من الطرفينِ وحيث ان اسرائيل هي التي بادرت مصر بالضربة الاولى، وكانت القاضية على سلاح الطيران المصري وقواعده الجوية، فقد تعاطفت 'فرنسا ديغول' مع الجانب المصري والسوري، وكان للموقف الفرنسي من الحرب تأثيره في 'الشارع' العربي في دول محددة، منها الكويت، والتي اشتهرت ب'قال من طق طبله قال انا قبله'، حيث تنادى المواطنون لمقاطعة البضائع الاميركية والبريطانية واستبدالها ببضائع فرنسية، وهكذا تحول المزاج العربي في الكويت الى الفرنسية، وتوقف الناس عن تدخين سجائر مثل 'كنت' و'مارلبورو' و'بلايرز وروثمان' واستبدلوها ب'جيتان' و'دي مورييه'!
بعد سنة او اكثر من تلك المقاطعة تبين مدى جهل وسذاجة المستهلك الكويتي الذي اتخذ قراره من منتج معين اعتمادا على طريقة لفظ اسم المنتج وليس من الواقع! فسجائر 'دي مورييه' كانت بريطانية الصنع، ولم تكن منتشرة او معروفة كثيرا في ذلك الوقت، وكان لقرار مقاطعة البضائع البريطانية والاميركية تأثير ايجابي على مبيعاتها حيث انتشرت بين الشباب والكهول انتشار الدخان في الصدور! ومن الطريف ان المقاطعة 'العربية' اقتصرت على السجائر وبعض المرطبات، وبالرغم من ذلك لم يطل امدها كثيرا!
نمر هذه الايام، بسبب الهيجان الدانمركي، و'جنون البقر'، بحالة جهل وسذاجة مصاحبة لهاِ فقد قام شخص، اما جاهل او متعمد، بتوزيع رسالة نصية قصيرة على الهاتف النقال طالب فيها بمقاطعة البضائع الدانمركية، وورد، ضمن العلامات التجارية التي طالب بمقاطعتها، اسم منتج حليب 'نيدو'! ولم يعرف المرسل والغالبية العظمى ممن ارسلت لهم تلك الرسائل والتي اعادوا ارسالها لآخرين، بان 'نيدو' من انتاج شركة نستله السويسرية، وانه لا يصنع في الدانمرك ولا يورد منها للكويت، ولا علاقة بالتالي لنيدو بأي منتج دانمركي!
والآن من يعوض شركة نستله ووكيلها في الكويت عن خسائر مبيعاتهم في الايام الماضية، وفي القادم من الايام، حيث ان من سيقرأ هذا المقال، ومن سيصدق ما فيه، ومن سيطلع على اعلان شركة نستله في الصحف بعدم علاقة منتجاتها بالدانمرك، قلة لا تقارن بعدد السذج والبسطاء من الناس الذين صدقوا ما قيل لهم دون تفكير او معرفة! وهكذا نحن دائما!
***
ملاحظة:
لو لم نكن بكل هذا الثراء المادي، ولو لم تكن جمعياتنا متخمة بمختلف انواع الجبنة والزبدة والحليب، ومن مختلف المصادر، ولو كان اقتصادنا بتواضع امكانات دولة متخلفة وصغيرة ومعدمة تعيش على المساعدات الخارجية، هل كان غضبنا وقوة ردة فعلنا على كاريكاتير حقير نشر في مجلة مغمورة قبل اربعة اشهر سيكون مماثلا لما حدث معنا اخيرا؟ اشك في ذلك.
ملاحظة اخرى: قامت 'فرانس سوار'، الصحيفة المسائية الفرنسية الواسعة الانتشار، بإعادة نشر الكاريكاتيرات الدانمركية المسيئة لمقام النبوة على صفحتها الاولى والبعض منها في صفحاتها الداخلية.
فهل سنطالب الآن بمقاطعة البضائع الفرنسية؟ اتمنى ذلك!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top