الكهرباء والماء وضياع الأخلاق

بعد فترة قصيرة من تعيين المهندس أحمد العدساني وزيرا للكهرباء والماء، وكان ذلك بعد التحرير بسنوات قليلة، وبعد اطلاعه على ما تعانيه الوزارة من مشاكل مستعصية، قام باتخاذ مجموعة من الإجراءات الحاسمة لمعالجة ما تعانيه أجهزتها من خلل أساسي، ولكن قراراته سرعان ما وئدت بعد ذلك بعد أول تغيير وزاري.
ومن تلك القرارات التعاقد مع فريق خبراء مياه أوروبي للكشف على شبكة توزيع المياه وتحديد مناطق التسرب فيها واقتراح طريقة معالجتها.
وكان عليه اتخاذ إجراء يتعلق بالفارق الملحوظ بين ما تنتجه محطات التقطير وبين حقيقة ما يصل من ماء إلى المستهلكين، وهذا الفارق قد تضاعف اخيرا بشكل كبيرِ وكانت هناك مشكلة عدادات الماءِ فقد كانت غالبيتها تتعطل في يوم تركيبهاِ وكمثال على ذلك عداد الماء في بيتي، حيث أنه لا يعمل منذ ما قبل الغزو الغاشم، وحتى يومنا هذا!
وفوق كل ذلك كانت هناك مشكلة تحصيل ثمن استهلاك الكهرباء من مئات آلاف المواطنين والمقيمين، والتي بلغت أرقاما فلكية، ولا تزال بارتفاع مستمرِ لم يطل بقاء المهندس العدساني في منصبه طويلا، حيث استقال، أو اعفي من منصبهِ وجاءت الكارثة الأولى مع تعيين السيد جاسم العون ممثل حركة السلف، خلفا لهِ وكان أول قرار له وقف عمل فريق خبراء اكتشاف مناطق تسرب المياه.
ومنذ ذلك الحين بقيت المشكلة، وما ذكر أعلاه من مشاكل، وغيرها العشرات، دون حل في وزارة يشرف على أعمالها 16 وكيلا ووكيلا مساعدا!
وأخيرا، جاءت الكارثة الأخيرة بعد كوارث تعيين وزراء نواب كطلال العيار وغير ذلك، مع تعيين الشيخ أحمد الفهد، وهو أكثر وزراء الحكومة انشغالا خارج نطاق عمله الحكومي، والذي أصبح وزيرا للكهرباء والماء والبترول بعد دمجها في وزارة واحدة!.
***
إن أزمة المياه التي تعانيها الكويت هي أزمة أخلاق أولا وثانيا وثالثا ورابعا، وإلى ما لا نهاية!
فجميع من تربعوا على عرش الكهرباء والماء في العشرين سنة الأخيرة تقريبا، أفشلوا، أو فشلوا عامدين متعمدين، عن مجرد الاستمرار في إرسال فواتير الكهرباء لجميع المستهلكينِ وهذا العمل البسيط هو أقل أعمال الوزارة تطلبا للتقنية والخبرة والمعرفة وأكثرها أهمية لاستمرار عملها وتحصيل موارده، والأهم من ذلك استمرار احترام المستهلكين لقيمة هذه الطاقة العظيمةِ وكان بإمكان شركة خاصة لا يزيد رأسمالها على50 ألف دينار القيام به!
وبالتالي ساهم الوزراء جميعا في ضياع مئات ملايين الدنانير من مال الدولة العام! وجميع الوزراء فشلوا، عامدين متعمدين، في ترسية مناقصة واحدة لاستيراد عدادات مياه صالحة لا تتوقف عن العمل بعد أيام من تركيبها.
وجميع الوزراء فشلوا مع سبق الإصرار والترصد في الاتفاق على البدء بالكشف على شبكة تغذية الكويت بالمياه ومعرفة مناطق التسرب وإصلاحهاِ كما أن لا أحد منهم أراد، أو تمكن من معرفة، سبب الفارق بين ما ينتج من مياه وما يباع أو يخزن استراتيجيا!
وجميع الوزراء، وجيش الوكلاء، فشلوا بجدارة في تحصيل ثمن استهلاك المياه من مئات آلاف المنازل والشقق والمؤسسات والمصانع والمزارع!!
وجميع الوزراء، مع مئات محاسبي وخبراء وزارة الكهرباء والماء (الطاقة)، فشلوا في تحديد حاجة الكويت المستقبلية من الماء، وهذا الأمر لم يكن يحتاج لعبقرية كبيرة لمعرفته.
كما فشلت الوزارة الحالية بجدارة منقطعة النظير وبطريقة غير مسبوقة دوليا في سد حاجة الكويت من الماء وفي التعامل ولو بنصف نجاح مع قانون إسقاط الألفي دينار من فواتير الكهرباء لمنازل المواطنينِ وسيتراكم على المواطنين أضعاف هذا المبلغ قبل أن تتمكن الوزارة، بنصف نجاح أيضا، في حساب ما عليهم وخصم ما منح لهم بغير وجه حق، وتحصيل المتبقي، والمباشرة بعدها بإرسال قوائم الاستهلاك الشهرية لكل صاحب عداد،هذا إذا حجت البقر على قرونها.
وعليه، فإن المشكلة لا علاقة لها بعدم ترسية مناقصة هنا أو هناكِ أو بعدم وجود خبراء أو نقص في الموظفين أو عدم توفر أجهزة كمبيوتر صالحة أو لعدم توفر ميزانيةِِ أوِِ أوِِ بل المسألة برمتها أخلاقية في المبتدأ والخبر، وبعد أن تعودت نفوس غالبيتنا الساحقة الماحقة وتقبلت ما نحن فيه من ضياع أخلاقي!!
وبالرغم من كون المشكلة أخلاقية فإنها لم تثر قط غرائز النائب السابق والمرشح الحالي وليد الطبطبائي، فسكت عنها لسنوات وانشغل بما هو أهم منها أخلاقيا!!
***
ملاحظة: لم يكن لأي نائب طوال سنوات ما بعد التحرير وحتى اليوم موقف مشرف من مشكلتي المياه والكهرباءِ وبالرغم من أن مئات ملايين الدنانير ضاعت على الدولة هباء، وأصاب سكان أغنى دولة على وجه الأرض عطش وشح مياه غير مسبوق، فإن المجلس الأخير وجد وقتا لديه لتشكيل لجنة هاليبرتون وأخرى لدورة خليجي 16! مالت عليهم.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top