الوقيان وتاريخ الكويت الآخر

اهداني الشاعر والباحث والزميل خليفة الوقيان مؤلفه القيم الاخير 'الثقافة في الكويت بواكير واتجاهات'، وقد قضيت وقتا ممتعا، على مدى ثلاثة ايام، في قراءة موضوع كنت دائما اود معرفة الكثير عنه.
الكتاب وثيقة تاريخية مهمة تغطي الجانب الثقافي من مرحلة تأسيس الدولة وما بعدها، وحتى وقت قريب، وهي الفترة التي لم يسبق ان نالت كفايتها من البحث المتسع والدقيق.
بينت الدراسة، المرة تلو الاخرى، كم كانت قوى التخلف شرسة في معارضتها لأي نتاج ثقافي، سواء أكان شعرا، مسرحا، رسما او نحتا، او حتى مطبوعةِ وما نراه الآن من غلو وشراسة في محاربة كل انشطة الثقافة، ما هو الا اثر من آثار تلك المحاربة التي هدأت لفترة لتعود وتشتد.
لي ملاحظات على بعض ما ورد في الكتاب/ الوثيقة: الاولى تتعلق بخطأ مطبعي ورد في الصفحة 140 عن تاريخ الغزوات الوهابية للكويت، ومحاولة اخضاعها للحكم السعودي، حيث ذكر ان الغزوة الثالثة كانت في الفترة بين 1793 و،1979 والصحيح هو ،1797 وهذا يمكن تلافيه في الطبعات القادمة.
الملاحظة الثانية، تعلقت بالفصل المخصص لذكر المطبوعات الصحفية التي صدرت في الكويت، صفحة 65 وما بعدها، للفترة من 1928 وحتى ،1961 حيث لم يرد ذكر لصحيفة 'صوت الخليج' التي كان يصدرها المرحوم باقر خريبط، وهذا ايضا يمكن تلافيه في الطبعات القادمة.
اما الملاحظة الثالثة، وهي الاخطر والاهم التي اتمنى حقا تلافيها في الطبعات القادمة، فإنها تتعلق بإصرار المؤلف الفاضل على استعمال تسمية 'الخليج العربي' في كتابه بدلا من 'الخليج الفارسي'، وهي التسمية الاصح، والاكثر دقة لكتاب توثيقي جاد.
لنخرج انفسنا من دائرتي العنصرية البغيضة والشعوبية، ونحن خارجهما بصورة دائمة، ونسأل انفسنا، ومن واقع مراسلاتنا وسجلاتنا ومكاتباتنا ووثائقنا الرسمية، وحتى وقت قريب، وكذلك الكتب والخرائط والمستندات والمخطوطات بأنواعها، المتوفرة في مكتبات الكثيرين منا، خاصة قبل تاريخ محدد من ستينات القرن الماضي، عن التسمية الوحيدة التي كنا نعرفها ونستعملها، وعرفها آباؤنا واجدادنا والعالم اجمع بقرون عديدة قبلنا، ألم تكن وفي كل الاحوال ومن دون اي استثناء 'الخليج الفارسي'؟!، لم كل هذه الحساسية من تسمية تاريخية لا يمكن ان يغير بقاؤها كما هي الكثير فينا؟ ولماذا نترك لعواطفنا العنان لتتحكم فينا؟ هل لأننا نكره الفرس الآن او نعاديهم لسبب هنا وحجة هناك، وبالتالي من الافضل تغيير التسمية نكاية بهم؟ ماذا لو تغيرت العلاقات السياسية بيننا وبين ايران، وهل سنعود الى استعمال التسمية التاريخية القديمة، التي هجرناها لمجرد ورودها في خطاب رئيس عربي، وسبق ان ورد ما يخالفها في خطاب سابق للرئيس نفسه؟
كان من الممكن تجاهل التعليق على الخطأ في التسمية، والتي تمثل تغيرا يقارب التشويه التاريخي، ونحن لا نعتقد ان هذا ما قصده المؤلف الفاضل، لو لم يكن الكتاب بكل تلك الجدية والرصانة التاريخية والتوثيقية المهمة، مما يجعله صالحا لأن يقرر اكاديميا على اكثر من كلية جامعية، ولهذا كانت هذه الملاحظة.
لا نريد هنا ان ندخل في جدل تاريخي، او حتى سياسي، فيما يتعلق بالتسمية الاكثر دقة وصحة، فالموضوع واضح ومحسوم، ولا ينكره إلا صاحب قصد واضحِ ولكن ما يهمنا في هذا المقام هو ما لهذا التعمد في التغيير واستسهاله من تأثير سلبي على نظرتنا لبقية الاحداث والوقائع التاريخية المهمة الاخرى بحيث نقوم بتغييرها لخصام سياسي هنا او خلاف ديني هناك.
أذكر جيدا ان المطالبات القوية بعد التحرير لتغيير تسمية شارع بغداد الى اسم اكثر ملاءمة كانت تجد صدى ايجابيا لدى الكثيرين، ولكني كنت من المعارضين لذلك، فالتسمية هي لعاصمة دولة عربية شقيقة وجارة، وبالتالي من السخف ترك العنان لعواطفنا بحيث تطغى ردات فعلنا الآنية على قراراتنا المصيرية والمؤثرة على احداث ومواقع وتسميات تاريخية.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top