درس السفلة

مررت خلال قيادتي للسيارة في السنوات الاربعين الماضية بمئات، لا بل بآلاف حوادث الطرق المؤسفة والمؤلمة، ولا اتذكر انني توقفت ولو لمرة واحدة لمشاهدة اي منها بسبب نفوري الشديد من مناظر الدماء والكسور وصراخ المصابين ورؤية اشلائهم المتطايرة او جثث الموتى!
كما لا أتذكر انني تمعنت يوما، او استطعت النظر، للمناظر المؤلمة، سواء في الافلام السينمائية او ما تنقله قنوات التلفزيون، من اخبار الموت والدمار والفيضانات وضحايا الحروب الاهلية والمجاعات التي عصفت بالكثير من الدول في السنوات الاخيرة. ولكن على الرغم من كل هذا الاحساس المرهف الذي ادعيه فانني حرصت على التغلب على جميع هذه المشاعر واصررت على متابعة عملية شنق الدكتاتور العراقي صدام حسين لحظة بلحظة. كما تابعت مشاهدة الشريط نفسه عشرات المرات من كل محطات التلفزيون العربية والغربية، وكررت المشاهدة، وبتمعن اكبر، في الافلام القصيرة التي وردتني على البريد الالكتروني، التي تضمنت ما لم تقم القنوات الفضائية بعرضه من مقاطع الاعدام. استعدت كل ذلك باهتمام، حتى صوت طقطقة عظام رقبته وهي تتكسر تحت ثقل جسده غير الطاهر كان كالموسيقى على اذني!!
ما اقترفته يد هذا الدكتاتور السافل بحق الشعب الايراني والشعب الكويتي، وقبل وبعد ذلك، والاهم من ذلك، بحق شعبه وبأقرب المقربين منه، على مدى اكثر من ثلاثة عقود، امر لا يمكن تخيل مداه وقسوته وضرره على استقلال المنطقة وتقدمها وصحة شعوبها النفسية والعقلية، هذا بخلاف ما تسببت فيه جرائمه من ضياع مئات مليارات الدولارات على العراق وبقية شعوب المنطقة. وبالتالي يمكن القول ان كل حالات الحزن والحداد التي ابدتها بعض الشعوب والحكومات، والعربية منها بالذات، كالجزائر وليبيا واليمن وفلسطينيي الاردن والضفة والقطاع، وهي شعوب دول تبعد غالبيتها عن العراق بآلاف الاميال، لا تعدو ان تكون نوعا من الهيجان العاطفي 'المخبول' النابع من الجهل بجرائم هذا الدكتاتور من جهة، وبعدم احترام مطلق لمشاعر اهالي ضحاياه، فقد نسوا صدام القاتل المجرم وتذكروا صدام القتيل!!.
لقد نال صدام قصاصه العادل، وتم ذلك بسرعة لكي لا يستغل احد وجوده حيا، اما القول بان الاميركيين قاموا بالقضاء على 'زعيم الشهداء' ووالد الشهيدين، لكي لا يكشف مخططاتهم وتعاونهم معه طوال الاربعين عاما الماضية، فهذا هو السخف والتناقض بأعينهما، فكيف يكون بطلا وشهيدا وزعيما وخائنا لوطنه ومتعاونا مع من صنفوا دائما بكونهم اعداء العروبة والاسلام؟!
لقد تفوه صدام بكم هائل من الرذائل خلال محاكمته، وكان بامكانه قول ما يريد دون ان يستطيع احد منعه من ذلك. وكما هرب محاموه وصيته، كان بامكانهم تهريب اي شيء منه وعنه.
لقد مات صدام وانتهى عهده وعهد السفلة الآخرين الذين كانوا معه. ولكن لا اعتقد ان احدا قد اتعظ او سيتعظ من النهاية التي انتهى اليها!! فنحن اولا واخيرا شعوب لا تقرأ، وان قرأت لا تفهم، وان فهمت لا تطبق!!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top