مثالب العمل الخيري المالية

عندما كتبنا عن فضائح المبرة العالمية وعن السرقات التي حدثت فيها، وعن عشرات ملايين الدولارات من أموال تبرعات السذج التي ادعي انها صرفت على خلق مئات آلاف فرص العمل الجديدة في اندونيسيا وغيرها من دول آسيا، لم يصدقنا أحد!
وعندما كتبنا عن فضائح جمعية إعانة المرضى أكثر من مرة وأسلوب عملها وعن أنشطتها غير المبررة خارج حدود البلاد، لم ينصت احد لنا! وبعد ان وقعت الفأس بالرأس وتبين الحجم المهول لمخالفاتها لم يهتم الكثيرون بما كتبنا، ولم تتناول صحف محددة ولا كتابها الفضيحة بكلمة واحدة!
وعندما كتبنا بالجملة والمفرد عن فضائح ومخالفات جمعيات الإصلاح والتراث وما لف لفها من لجان بالعشرات لم يصدقنا احد.
وفجأة انفجرت القربة وسرق الوافد المصري ما قيمته 12 مليون دولار من جمعية واحدة، وهي إعانة المرضى، وقام بعمله على مدى اربع سنوات من دون ان يلاحظ احد فعلته، وهذا امر مستهجن من جمعية يتمتع المشرفون عليها بالصلاح والتدين والمعرفة ومخافة الخالق!
وحتى هنا لم تتوقف عمليات الخداع والتمثيل. فعندما عقد اجتماع الجمعية العمومية للجمعية لم يتضمن جدول اعمالها بندا يتعلق باستقالة المجلس بشرف متحملا مسؤولية ما حدث من اختلاس ضخم في أموالها. ولكن الأعضاء فضلوا، وهم المشهود لهم ب 'التقوى والصلاح'، الانتظار الى ان انتهى الاجتماع، وهنا تقدموا بطلب الاستقالة فرفض مندوب الشؤون بالطبع الطلب لعدم قانونية توقيته! وفي اليوم التالي طلب رئيس وأعضاء الجمعية وزمروا في الصحف قائلين إنهم قدموا استقالاتهم، ولكن الوزارة رفضتها! وهذا لم يكن صحيحا !
وفي جانب آخر، ورد في 'القبس' (11/25) على لسان الزميل النشط والمميز مبارك العبدالهادي، بأن في الوقت الذي تحقق فيه المباحث الجنائية في قضية اختلاس اموال 'الجمعية الكويتية للعلوم الانسانية' تعمل وزارة الشؤون على مراجعة جميع اجراءاتها بشأن جمعيات النفع العام!! وهذه الجملة سبق ان صرح بما يماثلها كبار مسؤولي الوزارة عشرات المرات، وهي والهراء سواء!! فليس هناك الكثير الذي يمكن عمله بالطرق المعتادة مع جمعيات شرسة ذات نفوذ مالي اسطوري.
ففضيحة اختلاس اموال 'العلوم الاسلامية' فضيحة 'غير شكل' حقا!! فقد بينت ليس فقط مدى نشاط السوس الذي ينخر في جسد الكثير، إن لم يكن كل، الجمعيات الخيرية، بل يبين كذلك مدى سطوتها وعدم خوفها من القانون.
فقصة الاختلاس فيها طريفة ولطيفة ومضحكة، بقدر ما هي مؤلمة ومبكية ومؤسفة في الوقت نفسه!
فالمتهم هنا مقيم سوري لا يتجاوز السادسة والعشرين من العمر، وعلى الرغم من ذلك فقد اعطي حق الاشراف على جمع وصرف الملايين، دون رقيب او حسيب، وبالتالي فإن اعماله كانت معروفة للقيمين عليه! وتفاصيل فضيحته، ان ثبتت التهمة عليه، بينت بأن الفساد المستشري في العمود الفقري لهذه الجمعيات، او في العمود الفقري للكثير من المشرفين عليها، اعمق بكثير مما نعتقد، فعلى ذمة ما ورد في 'القبس' (11/27) هناك عقد 'تعاون وشراكة' بين رئيس الجمعية والمتهم!! فإضافة الى كون الامر يشكل سابقة خطيرة في مجال جمع التبرعات، فانه ينطوي على مغزى مهم، فالكويتي لم يتردد في توقيع اتفاق مكتوب، ينص على تقاسم موارد الجمعية المالية بتلك النسبة الغريبة والمشبوهة، على الرغم من عدم شرعيته وقانونيته، وهذا لم يكن ليحدث لو لم يكن اعضاء هذه الجمعية مسنودين من جمعيات اخرى ذات نفوذ اكبر من جمعيته ولها سلطة اكبر على الحكومة، او ان اتفاق الشراكة غريب بنظرنا، ولكنه سائد وعادي بين العاملين في الجمعيات الخيرية!! وإلا كيف يمكن ان نصدق بأن الكويتي يحصل على 15% من التبرعات، ويأخذ الوافد السوري 85% ليقوم كل طرف بصرف حصته على المشاريع الخيرية التي يراها مناسبة!!
وورد في المقابلة التي نجح الزميل العبدالهادي في اجرائها مع اثنين من العاملين في 'العلوم الاسلامية' بأنهما كانا على علم بأن عملية جمع الاموال النقدية كانت تعتبر غير قانونية، وكانوا عندما يثيرون هذا الامر يقال لهم إنه اجراء متبع في كل الجمعيات الخيرية الاخرى، وان الوزارة على علم به!!
ان الكعكة المالية كبيرة وشهية وتبلغ مليارات الدولارات التي لا حسيب ولا رقيب عليها. والأخطر من ذلك ان لا حق لأحد بها، ويمكن للقائمين عليها 'أخذ' نسب كبيرة منها بنصوص شرعية معمول بها، منذ قرون وقرون! وقد ورد لنا ونحن ننهي كتابة هذا المقال إعلان مدير ادارة الجمعيات الخيرية والمبرات بأن الوزارة تحقق في قضية تجاوز جديدة على اموال العمل الخيري (!).
نتمنى على وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الشيخ صباح الخالد، وهو وزير الشؤون الوحيد خلال الثلاثين عاما الماضية الذي يمكن اخلاء مسؤوليته تماما، حتى الآن، من جرائم سرقات وفضائح وتجاوزات الجمعيات الخيرية، ان يقوم بعمل لن تنساه الكويت له أبدا، وذلك باتخاذ الخطوات العملية التالية:
1 - تجميد جميع ارصدة الجمعيات الخيرية بصورة مؤقتة.
2 - إلغاء جميع الاستقطاعات الشهرية لحسابات الجمعيات الخيرية واعادتها لاصحابها، وتحويل غير المعروف المصدر منها لبيت الزكاة لحفظها في حساب خاص لحين البت في الموضوع.
3 - تكليف اكثر من مكتب تدقيق محاسبي يتم اختياره من قائمة الخمسة الكبار المعروفين في الكويت للقيام بجرد سجلات هذه الجمعيات ومعرفة ما تحتويه من مصائب، على ان يتولى بيت الزكاة دفع مصاريفها.
4 - الغاء ترخيص الجمعيات المخالفة، إن وجد.
5 - السماح للجمعيات غير المخالفة بالاستمرار بأعمالها الخيرية، شريطة حصر ذلك ضمن حدود الدولة. وإغلاق جميع الفروع واللجان الاخرى التابعة لها.
6 - استمرار عمليات الرقابة المحاسبية على اعمال الجمعيات الدينية المرخصة من قبل مكاتب تدقيق كبيرة معترف بها، إضافة إلى رقابة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!
لقد بلغنا الرسالة.. وانتهى دورنا عند هذا الحد.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top