مظاهر استفزازية

اتصلت بي قارئة وزوجة صديق عزيز، وقالت انها تضطر بحكم موقع بيتها للمرور من امام منزل مواطن، اشتهر بتصرفاته الخرقاء، يقع على طريق سريع. وأن اللوحات والشعارات التي قام بوضعها على كل زاوية من زوايا بيته والمضاءة بآلاف المصابيح الكهربائية، تجعلها تشعر بحزن شديد على ما آلت اليه الاوضاع في الدولة، خصوصا من الناحية المذهبية. وقالت ان سكوت السلطات على تصرفات ذلك المواطن الاستفزازية في حق الطائفة الاخرى، التي لا تنتمي هي لها اصلا، امر لا يمكن تبريره!
أكبرت في السيدة اهتمامها وتسامحها وشكرت اتصالها ولكني قلت لها ألا تتوقع مني ان اتعاطف مع مطلبها والكتابة عن ذلك الاخرق فقط لانني انتمي، حسب وجهة نظرها، لغير الطائفة التي تنتمي هي وذلك المواطن اليها. فباعتقادي ان تصرف ذلك المواطن لم يصدر عن فراغ. قد يكون هو البادئ، وقد يكون تصرفه في الوقت نفسه ردة فعل لما شاهده من تصرفات اتباع الطرف الآخر! وقلت ان ما اصبحت اراه في السنوات الاخيرة من تزايد في الشعارات المذهبية المكتوبة على اقمشة سوداء ولوحات ولافتات توضع في مختلف المناسبات الدينية على دور العبادة واسطح المنازل السكنية، والتي لم أكن أرى مثلها في الماضي بكل تلك الكثافة، كفيلة بإثارة الهواجس الدينية للكثيرين من الجهلة وانصاف المتعلمين بيننا، وما اكثرهم!
وبالتالي من الذي يجب أن يلام أولا؟ ومن الذي بدأ العداوة والاستفزاز والصدود؟ فالتاريخ الديني معقد ومتشعب ويملؤه الزيف ومحشو بكم هائل من الخرافات والخزعبلات التي لا يمكن ازالتها بسهولة لنعرف ونثبت من على حق ومن على باطل، خاصة مع غياب المصادر الموثوق بها وقلتها، إن وجدت. وبالتالي من الصعب، ان لم يكن من المستحيل، على أي طرف أن يثبت أنه على حق وأن الطرف الآخر على باطل، دع عنك اقناعه بترك ما هو عليه! في نهاية حديثي الطويل مع تلك السيدة ختمت الاتصال بالقول ان المسؤولية تقع على الحكومة اولا واخيرا، وعلى 'الشيخة' بالذات. فعقلاء الطرفين أعجز من ان يقوموا بفعل شيء لاخماد حرارة النار التي تشتعل من تحت الرماد الساكن، هذا إذا لم يكن من مصلحتهم بقاء الاوضاع على ما هي عليه، وان لم يكونوا هم وراء تلك الفتنة اصلا!
نعم، إن المكيافيلية تدعو ل' هد القوم على القوم'، لتسهل السيطرة عليهم، ولكن تبعات ذلك لا يمكن تصور مدى خطورتها، ليس على المدى البعيد فقط، بل على المدى القصير جدا. فالنار التي اكلت الكثير من الدول قد اقتربت ألسنة لهبها منا. وعلى عقلائنا، اطفاء لهبها عن طريق منع كل المظاهر الدينية والمذهبية الاستفزازية، لأي طرف كان.
* * *
ملاحظة:
ماذا لو شكلت الحكومة لجنة للقضاء على مظاهر التعدي كافة على امن الدولة (!). ألا يستحق الامر لجنة اسوة بلجنة 'ازالة التعديات على املاك الدولة'؟ مجرد سؤال!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top