فضيلة التفكير النقدي

من الأمور المتفق عليها ان الحرية او الفسحة المتاحة لأي منا في نقد ما حوله من اوضاع ومفاهيم ومسلمات تعتبر بحد ذاتها حافزا ومحركا لتقدمه، وبالتالي فكاكه من أسر الخرافات والخزعبلات التي تحيط بحياته، فمن دون تفكير نقدي حر لا يمكن تحقيق أي تقدم.. في اي مجال حيوي كان.
فالشك، أو نقد المسلمات، كان السبب وراء كل الاكتشافات والاختراعات والمعارف الجديدة التي اغنت حياة الإنسان وفتحت له طاقات وآفاق إبداع متنوعة.
وفي هذا يقول ابراهيم البليهي، المفكر السعودي المستنير: '.. اننا في العالم العربي والإسلامي نتوهم اننا بتعميم التعليم والإكثار من الجامعات قد أخذنا بأسباب التقدم وبنينا في الانسان قدرة الابداع والانتاج والمبادرة.. ولكننا نسينا في خضم ذلك ان العلم هو نتيجة من نتائج التفكير النقدي وثمرة من ثماره وليس سببا له، فالتعليم التلقيني (المتبع لدينا) المحروم من التفكير النقدي يؤدي الى تجميد الذهن ويعطل الفكر ويضاعف الشعور الكاذب بالاكتفاء.. وبالتالي يمكن القول ان الازدهار هو الثمرة اليانعة للتفكير النقدي، كما ان التخلف هو النتيجة الحتمية للحرمان من هذا الفكر..'.
وعلى ضوء ذلك يمكن القول بثقة اننا نصنف ضمن مجموعة الشعوب المتخلفة، فالتفكير النقدي ليس معدوما لدينا فقط.. بل محرم التطرق اليه في مدارسنا ومعاهدنا، وحتى جامعاتنا، فكل ما يحيط بنا من عادات وتقاليد وسنن لا يجوز تفعيل التفكير النقدي فيها او اخضاعها لأي نقد كان، لأن في ذلك تعديا على المسلمات التي سار عليها آباؤنا وأجدادنا، ومن هم قبلهم!
ولكن في خضم كل هذه المعارضة الشديدة للتفكير النقدي لم يلاحظ هؤلاء أننا، كعرب وكمسلمين، قد تخلينا بالفعل، على مدى القرون العديدة الماضية، عن الكثير من المسلمات والعادات والتقاليد التي كانت تحكم حياتنا والتي كنا نعتقد ان الاقتراب منها او اخضاعها للتفكير النقدي امر غير مقبول او جائز لاكثر من سبب. وهذا يعني ان آلية التفكير النقدي كانت موجودة لدينا دائما، ولكن تسارعها كان بطيئا واصبح اكثر بطئا في القرون القليلة الماضية، فلولا عملية التفكير النقدي التي امتاز بها اصحاب مختلف الرسالات الدينية لاوضاع مجتمعاتهم لما كانت هناك ديانات جديدة ومميزة وسابقة لعصرها.
وبالتالي يمكن القول، وهذا ما قد لا يوافقني عليه البعض، اننا كشعوب عربية وإسلامية نمتلك ملكة التفكير النقدي، كما هي حال شعوب العالم المتقدمة، ولكنها ملكة بطيئة الحركة ولا تواكب تسارع العصر، وهذا تسبب في وضعنا في الدرك الاسفل من الشعوب المتقدمة اقتصاديا وتكنولوجيا وإبداعا في جميع حقول المعروفة.
لقد سبق للقس ديزموند توتو ان قال، في ذروة سعي شعب جنوب افريقيا للقضاء على التفرقة العنصرية، ان هذا الصراع سينتهي عاجلا ام آجلا بانتصار السود، فلماذا لا يتم الاعتراف بذلك اليوم قبل الغد وتنقذ ارواح آلاف الأبرياء وتحقن الدماء ويتوقف النزيف الاقتصادي والانهيار الاخلاقي؟
نعود ونقول ان عاداتنا وتقاليدنا والكثير من مسلماتنا، كعرب ومسلمين، ليست هي نفسها التي كانت قبل ألف عام مثلا، ولن تكون على حالها بعد مائة او مائتي عام مثلا، فالتفكير النقدي هو الذي اطاح خلال العقود الماضية بالكثير من المعتقدات والمسلمات، وسيستمر في دوره في الإطاحة بكثير منها في السنوات المقبلة، حيث ان التغيير قادم لا محالة وسيكون في مصلحة الجميع، فلماذا يستميت البعض في تأخير حدوثه؟!
هذا ما لا أملك التصريح به في هذا المقال والمقام

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top