البداية الطيبة

'.. من المحزن أن تبدو الحياة في النهاية عادية جدا، فذات يوم سوف نفقد ملكة الاندهاش والذهول، فلا نستعيدها إلا ونحن نتهيأ لمفارقة الدنيا..'!
طالب المولى نقلا عن 'جوستان غاردنر'
* * *
لحق بي، وأنا خارج من جمعية الخريجين بعد انتهائي من مهمة هناك، وسألني بفضول القارئ الشغف: لماذا لم نقرأ لك شيئا جادا منذ اسابيع؟ فقلت له إنني اقرأ 3 من اصل 5 صحف يومية تصدر في الكويت، وعلى الرغم من قلة ما فيها من صفحات 'جادة' فان ما تتضمنه من اخبار سياسية ومآس انسانية ومشاكل عالمية وقضايا امنية، وفي يوم واحد فقط، كاف لكتابة عشرة مقالات جادة وهادفة!.. فالمادة اكثر من متوافرة. ولكن ليس كل ما يكتب يمكن أن نشر في هذه الايام وليس من ضمان بأن الصحيفة، أي صحيفة، ستقبل بنشر كل ما يرسل اليها، فلكل جريدة حساباتها الخاصة ومصالحها الاكثر خصوصية.
وبما انني لست بالكاتب المحترف، او حتى بالمتمرس، فإن الكتابة بالنسبة لي ليست نزهة نهرية في قارب آمن، بل هي معاناة يتخللها الكثير من الحسابات التي تتعلق بي شخصيا وبمصالحي وشركائي من جهة، وبالصحيفة ومحاذير النشر من جهة اخرى. وبالتالي فإني احتاج عادة لجهد مضاعف لكتابة مقال عادي. فمهما قلنا عن توافر مناخ الحرية في الكويت فإن الحقيقة تبقى ان الكتابة فيها ليست بالآمنة في جميع الاحوال، كما انها اصلا مهنة غير مرحب بها وطاردة للكفاءات، ولو كنت 'كاتبا محترفا' لما ترددت في التوقف عن الكتابة والبحث عن لقمة العيش في مكان آخر.
كما ان ما نراه حولنا من شح في الانتاج الادبي والمعرفي وما نلمسه من جفاف في الجوانب الابداعية الاخرى، لا يعدو ان يكون محصلة طبيعية لهذه البيئة الصحراوية، التي فشلت مئات آلاف اجهزة التكييف في تبريد تطرفها، وجعلها اكثر ترحيبا بالكاتب والنحات والموسيقي والرسام والقاص، ناهيك عن عالم النفس او الفيلسوف او الاستاذ الجامعي او المخترع، او حتى المؤرخ! ولكي لا افقد ملكة الذهول والاندهاش في نفسي، كما نبهني للأمر 'طالب المولى'، فإنني سأزيد من جرعة الجرأة والحرية في المقبل من مقالاتي.. وليمنع ما يمنع منها ولينشر ما ينشر فكلها سينتهي بها المطاف بين دفتي كتاب.
* * *
ملاحظة: بما انني بصدد القيام بإجازة طويلة، ولكي ابقى على اتصال 'حرفي' مع قرائي، فإنني سأتفرغ هذا الاسبوع لكتابة ما لا يقل عن 30 مقالا من مختلف الاوزان والاثقال. تحياتي.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top