ما هو الأكثر خطورة

قال لي من أعتز برأيه إنني، وبخلاف كتاب 'القبس' الآخرين، لا أعطي قضايا الفساد السياسي والسرقات المالية المعروفة الاهتمام الذي أعطيه للقضايا المتعلقة بأنشطة الأحزاب الدينية. فقلت له إنه سبق لي ان كتبت الكثير عن هذه القضايا، ولا أزال، على الرغم من أن لها من تخصص في الكتابة عنها بطريقة أفضل. وعلى الرغم من اقتناعي التام بخطورة السكوت عن سرقات المال العام والفساد السياسي فإن خطورتها لا تقارن بما تروجه الجماعات الدينية من أفكار وما تسعى لتحقيقه من سيطرة سياسية واجتماعية على مجتمعاتنا!! ففي الوقت الذي ينتج عن قضايا الحرمنة وسرقات المال العام خراب ذمم وتضييع ثروات وفساد سياسي وتشريعي واضح فإن هذه الأمور في غالبيتها قضايا مقدور عليها بقرار سياسي سام وحاسم، ولكنها مع هذا ستبقى جزءا من التركيبة السياسية لأي بلد، وبالتالي من الاستحالة بمكان القضاء عليها تماما، تشريعا أو كتابة أو غير ذلك، وكل ما يمكن تحقيقه هو التقليل منها والتخفيف من آثارها، كحال المدمن على تدخين السجائر!!
ولكن لو نظرنا إلى الخطورة التي تشكلها الأحزاب الدينية لوجدنا أن خطرها يتعلق بخراب العقول والأفكار، أو ما تبقى منها لدينا. فمتى ذهب العقل ذهب المنطق معه وتبع ذلك كل شيء آخر، وهي بالتالي تشبه حال المدمن على المخدرات القوية التأثير!!.
فلو قمنا بمراجعة سريعة للتشريعات البرلمانية والتنظيمات الحكومية التي صدرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بتأثير مباشر من 'لوبي' التيار الديني في الحكومة والبرلمان لوجدنا أنها أدت في مجملها إلى خراب النفوس وتأخير التقدم والتنمية وحرمان المجتمع من قوة العمل المتمثلة في النساء والحث على كراهية الآخر، وتشجيعهن في الوقت نفسه على كراهيتنا، كأفراد وكثقافة، وتعزيز قيم التطرف العرقية وتشجيع نوازع التطرف الديني الأعمى، وأخيرا وليس آخرا، تحطيم نفسية المرأة، الأخت والابنة والزوجة والأم، ومعاملتها قسرا وكأنها مصدر الشر والفساد الاجتماعي والانهيار الأخلاقي في الدولة ككل!! وليس أدل على ذلك من مجموعة القوانين المعطلة لإعطاء الجنسية لغير المسلم، وقانون تجريم التمثل بالجنس الآخر، وقانون منع النساء من العمل بعد ساعة محددة، والأنظمة الحكومية التي تحث المرأة على التقاعد المبكر وعدم مساواتها في الرواتب والأجور وقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالطلاق والنفقة والحضانة، وغير ذلك المئات من الأحكام والقوانين والأنظمة الجائرة.
كل هذا وذاك بخلاف الفساد السياسي الكبير الذي تسببت به جماعات وجمعيات وأحزاب الإسلام السياسي بفضل كم الأموال الهائل الذي تجمع تحت يديها على مدى عقود، والذي مكنها من شراء الذمم والأصوات والمواقف السياسية من مختلف القوانين والتشريعات، هذا بخلاف دورها المخفي في تمويل الإرهاب الدولي.
وعليه يمكن القول إن تقدم أي دولة لا يمكن أن يتوقف لوجود قضية فساد مالي أو نهب لثروة هنا أو هناك، على الرغم من خطورة السكوت عن مثل هذه الحالات، ولكن الوضع السياسي يمكن أن ينهار بكامله، وفي هذا العصر، ولدولة بحجم وقدرات الكويت بالذات، إن سلمت المقادير لقوى التيار الديني لتدير الأمور كما تشتهي، ولنا أسوة بما حصل في لبنان وأفغانستان، وما وصلت إليه الأوضاع من تخلف في دول غنية وذات ثراء خرافي كإيران والسودان بسبب سيطرة القوى الدينية على مقدراتها !!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top