المركز المالي!

لم توفر أي جهة في البلاد مناسبة من غير أن تطالب بتحويل الكويت الى مركز مالي وتجاري واقتصادي مميز، فالجميع يعلم أن النفط مورد غير دائم، ومن الضروري إيجاد مصادر دخل بديلة، وما يطلق عليه صندوق الأجيال القادمة لا يعدو أن يكون حساب ادخار للطوارئ، ولا يمكن اعتباره بديلا عن مصدر دخل حقيقي وفعال. ولكن على الرغم من بدهية وأهمية هذا الأمر وسهولة تحويل الكويت الى مركز اقتصادي، إقليمي على الأقل، أسوة بدبي وسنغافورة وهونغ كونغ، وهي مراكز اقتصادية عالمية مهمة، رغم فقرها نفطيا، فانه ليس في الأفق ما يدل على أن الحكومة جادة فيما تدعيه من اهتمامها بهذا الأمر، فلا نزال، ومنذ الاستقلال حتى اليوم، ندير البلاد بمثل طريقة إدارتنا لشؤوننا على المستوى الفردي، فلا خطط واضحة ولا مشاريع مستقبلة ولا رؤية اقتصادية ولا استراتيجية ملزمة، ولو تمعنا في قرارات جهات حكومية عدة، وخصوصا تلك المتعلقة بالأنشطة المالية أو التجارية، لوجدنا أنها لا تختلف كثيرا عن قرارات 'تاجر' فاشل، أو فرد متوسط الذكاء والخبرة، وهذا أمر يدعو للدهشة خاصة إذا علمنا بأن ما يتوافر تحت يدي الإداري أو السياسي الحكومي من أجهزة وخبرات إدارية وقانونية واقتصادية، لو تم استغلالها بشكل صحيح، لكانت كافية في النأي بالحكومة عن اتخاذ الخاطئ من القرارات!
بالأمس أعلمتني وزارة الشؤون كتابيا بأن جميع معاملاتي معها سوف لن يتم البت بها ما لم أقم بتوقيع 'إقرار وتعهد' التزم فيه بتخصيص موظفات (نساء)، وكأن هناك موظفات (رجال)، للعمل لدي في معارض بيع وعرض ملابس السيدات الخاصة، وهددتني الوزارة بأنها ستتخذ ما تراه مناسبا في حقي إن خالفت قرارها، ولم يوضح القرار نوعية العقوبة أو الجهة التي سيناط بها التنفيذ، وعما إذا كان لأمن الدولة دور هنا أم لا!
من الواضح أن هذا القرار يتعارض بشكل مضحك مع قرار أو نية أو رغبة تحويل الكويت الى مركز تجاري واقتصادي إقليمي. كما يتعارض بشكل مبك مع قرار منع الموظفات من العمل في محال التجزئة بعد الثامنة مساء، فما هو مصير مئات محال أو أقسام بيع الملابس النسائية في المجمعات التجارية التي تدار من قبل نساء حاليا؟ هل سيتوقف العمل بها بعد الثامنة لأن قرار الشؤون يمنع الرجال من إدارتها؟ وما هو حكم المحلات ذات الأقسام المتعددة، هل سيقفل الجزء المخصص للملابس النسائية، ويستمر باقي المحل بالعمل؟
للحكومة اتخاذ ما تراه 'مناسبا' من قرارات، ولكن على الأقل بعد دراستها وتمحيصها على ضوء المعطيات المتوافرة على أرض الواقع وليس على أرض مكتب الوزير أو الوكيل المختص. ومن حق الحكومة منع الرجال من بيع الملابس النسائية ومنع النساء من العمل بعد الثامنة، أو منعهن من بيع الملابس الرجالية، وفوق كل ذلك يحق لها الخضوع لطلبات بعض النواب المتخلفين المتعلقة بمنح المرأة التي 'تقر' في بيتها 300 دينار شهرا مقابل ذلك لتشجيع الموظفات على الاستقالة والجلوس في البيت كذلك، ولكنها في هذه الحالة يجب أن تعرف أمرين:
أولا: أن جميع السيدات والآنسات، من أخوات وزوجات وأمهات وأقارب، اللاتي عدن مؤخرا من إجازة الصيف، تعاملن مع بائعي ملابس ذكور وإناث ولم يتسبب ذلك في خدش'حيائهن ألبتة'! فلماذا يكون الرجل البائع ذئبا وزير نساء في الكويت ويكون غير ذلك خارجها!
ثانيا: أن تتوقف، ولو لفترة قصيرة تكفي لالتقاط الأنفاس، عن شعار تحويل الكويت لمركز مالي وتجاري إقليمي مميز، فمن المضحك أن نستمر في إصدار مثل هذه القرارات الوزارية، ونستمر في حلم تحويل الكويت لمركز مالي إقليمي.. أو عالمي!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top