معضلة المؤسسات المالية الإسلامية

على الرغم من النمو المستمر في حجم المؤسسات المالية وعددها، والتي تعمل تحت غطاء ما يسمي بالتعاملات المالية الإسلامية، فإن الملاحظ أن كل منها، حتى داخل الدولة الواحدة، تعمل في معزل عن الأخرى، ولا توجد نظم واقعية محددة وأطر قانونية منظمة تعمل ضمنها، وربما يكون هذا الغياب القانوني والتنظيمي، الذي يوفر لها حرية حركة كبيرة بعيدا عن الرقابة المالية، هو السبب الرئيسي وراء تزايد عددها وتعاظم أرباحها، إضافة، بطبيعة الحال الى جهل الكثير من المتعاملين معها بانعدام الفرق بين ما تستوفيه من 'مرابحة' مقارنة بنظام الفوائد المتبع في البنوك التقليدية.
يمكن القول، تجاوزا، ان هناك خمس كتل مالية إسلامية في العالم:
1ـ بنوك دول مجلس التعاون، وهي الرائدة والأكبر حجما.
2ـ بنوك إسلامية أفريقية، وهذه صغيرة عادة ومملوكة في غالبيتها من مؤسسات مالية خليجية.
3ـ بنوك جنوب شرق آسيا، ماليزيا وأندونيسيا، ولدول الخليج حصة فيها.
4ـ بنوك عربية نامية في الأردن وسوريا ولبنان، وللمؤسسات الخليجية المماثلة حصص ملكية كبيرة فيها
5ـ البنوك الإسلامية الأوروبية وبالذات في فرنسا وبريطانيا وتركيا.
وهناك إضافة إلى ذلك إيران، التي على الرغم من تشدد نظامها السياسي دينيا، فإن مصارفها تمتلك حرية أكبر في التلاعب على الأنظمة الإسلامية.
ومن الملاحظ أن لا علاقة قانونية أو شرعية (من الشريعة) واضحة ومحددة تربط مصارف هذه المناطق بعضها ببعض، كما أنها لا تخضع لرقابة شرعية واحدة، أو موحدة، حتى في البلد الواحد، وماليزيا قد تكون الاستثناء الوحيد.
كما أن هناك اختلافات جذرية بين أنظمة عمل كل جهة، وأيضا حتى في البلد الواحد، وسبب ذلك يعود بطبيعة الحال إلى حقيقة عدم وجود ما يمكن الاستعانة به من التراث لتنظيم مثل هذه الأنشطة المالية العظيمة الأهمية والخطيرة في الوقت نفسه، فكأي منتج مالي جديد نراه يخضع لأهواء ورغبات ومصالح من يمتلكونه أو يديرونه، وهو ما يتسبب في ذلك الشعور بعدم الاطمئنان، وربما الشك، لدى الكثيرين تجاهها.
وبسبب تعدد جهات الاجتهاد في دول العالم الإسلامي، التي تبلغ 60 دولة تقريبا، وتعدد وتنوع، وأحيانا كثيرة، تضارب الفتاوى الدينية، ومصادرها، في المسألة المالية الواحدة، فإنه من غير المتوقع أن تخضع هذه المؤسسات لجهة رقابية واحدة في المستقبل المنظور، وبالتالي سيستمر التضارب والتشرذم مستقبلا مما سيكون له أثر ديني سلبي سيئ لا يمكن التكهن بمستواه متى ما تعرض أي من هذه المؤسسات للإفلاس، لأي سبب كان، وهو الأمر غير المستبعد في غياب القوانين والأنظمة.
وما يجعل الأمر أكثر سوءا، وخطورة، في هذه الصناعة المصرفية الإسلامية، إذا جازت التسمية والوصف، هو عدم وجود أي أنظمة أو حتى أخلاقيات متعارف عليها فيما يتعلق بطريقة اختيار وشروط تعيين أعضاء هيئات الرقابة الشرعية في هذه المؤسسات. ففي غالبيتها يقوم مجلس الإدارة، أو الرئيس منفردا، باختيار الهيئة الشرعية التي تناسب 'رغبات ومصالح' أعضاء مجلس الإدارة، أو الرئيس، الشخصية. كما أن استشاراتها غير ملزمة لأي طرف. والأسوأ من ذلك عدم ممانعة الكثير من هذه المؤسسات في قيام أعضاء هيئاتها الرقابية بالعمل في هيئات رقابية لمؤسسات منافسة، وما يعنيه ذلك من تضارب في المصالح، خاصة إذا علمنا أن هذه المؤسسات لا تفرض قيودا على تملك أعضاء الهيئات الرقابية لأسهم المؤسسات المالية التي يقومون بمراقبة أعمالها!
خلاصة الأمر أن هذه المؤسسات المالية يزداد عددها سنة بعد أخرى، وتتضخم أحجامها يوما بعد الآخر بشكل كبير، ومن الضروري إخضاعها، على الأقل داخل الدولة الواحدة، لأنظمة عمل ورقابة واضحة وموحدة، قبل أن تقع الفأس بالرأس، وهذا أمر ليس بمستبعد أبدا، فالمال السايب يغري بالسرقة.. ولو بعد حين!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top