قالب ثلج الشاه

تتميز أنظمة الرقابة المالية في الدول المتخلفة إما بشبه انعدام وجودها أو قلة فاعليتها. وعلى الرغم من أن ديوان المحاسبة في الكويت يقوم بجهود جبارة في التخفيف من الفساد المالي في الدولة، فإن حالات الالتفاف على القوانين وخداع اجهزة الرقابة والمحاسبة متنوعة ومتعددة لا تحصى، خصوصا مع الغياب الواضح لدور مجلس الأمة كجهاز رقابي على اعمال الحكومة! وربما ليس غريبا ان طرق النصب والاحتيال تتنوع وتتزايد مع تقدم الدولة آليا واستعانتها بأحدث الأنظمة والأجهزة، وذلك بسبب جهل المواطنين وتخلفهم وقلة خبرتهم في هذه الأمور، اضافة الى عدم ميل الكثيرين منهم لقراءة الكتيبات او التعليمات والنصائح!
كما تمتاز الدول المتخلفة ليس فقط بزيادة معدلات الجرائم المالية والفساد الإداري فيها، بل ايضا بقلة ما يتم اكتشافه من هذه الحالات، او بعدم الرغبة في كشفها لسبب أو لآخر، فالكثير من المسؤولين الذين قبض عليهم متلبسين بجرائم الاختلاس او الرشوة أو قبض العمولات او السرقة العلنية من المال 'العام'، طلب منهم، بهدوء، الاستقالة من مناصبهم لكي يكون باستطاعتهم الاستمتاع بما سرقوه اواستولوا عليه من اموال بهدوء ودون صخب!.
يروى، وانا هنا لست على ثقة من صحة المصدر ولكن فقط من صحة الرواية، أن كيرميت روزفلت الذي كان مسؤولا عن اجهزة المخابرات الاميركية في ايران خلال فترة حكم رضا شاه، والد شاه إيران السابق، أورد في مذكراته رواية تتعلق بموضوع الفساد في دول العالم الثالث، حيث يقول إنه تحدث مع الشاه عن مشكلة استفحال الفساد في دولته وان من الضروري قيامه بفعل شيء تجاه هذا الأمر، وضرورة القبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة ليكونوا عبرة لغيرهم، فما تقدمه اميركا من مساعدات لايران غالبا ما ينتهي قبل الانتهاء من تنفيذ المشروع الذي منحت المساعدات من أجله! وقال روزفلت إن الشاه ابتسم وقال ان هذا ليس بالأمر السهل.
فمساعداتكم لنا هي كقالب الثلج. فما تعطيه لي أسلمه لرئيس الوزراء الذي يقوم بدوره بتسليم القالب لوزير المالية، وهذا الأخير يسلمه لوزير آخر أو لوكيل الخزانة قبل ان يصرف على المشروع من قبل لجان مختصة. وما يحدث في نهاية المطاف ان قالب الثلج الذي كان بطول 120 سنتيمترا عندما تسلمته قد اضمحل وانكمش وصغر حجمه الى النصف نتيجة انتقاله، او ذوبانه، من يد إلى يد! والآن لو أردت ان تعرف من الذي شرب او لحس من ذلك القالب بحيث نقص وزنه لما توصلت الى شيء محسوس، فقد اذابت حرارة أيدي من تناوبوا على مناولته نصف ذلك القالب، ونحن راضون بما تبقى منه!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top