علاقة الموسيقى بالمرض (2 ــ 2)

نستكمل اليوم حديثنا عن تأثير البيئة في ثقافة وفن وأدب أي أمة.
لم تأت شهرة العرب بقول الشعر وحفظه اعتباطاً، بل جاءت انسجاماً مع ظروف البيئة وفقرها بكل متطلبات اتقان، أو حتى أداء الفنون والآداب الأخرى.
فالرسم يحتاج للقماش والريشة واللون والإطار وأمور ضرورية كثيرة أخرى، والنحت يحتاج إلى الحجر والرخام وإلى أدوات محددة، كما ان الكتابة تتطلب وجود قلم ومداد وورق وطرق حفظ من التلف، وهكذا الحال مع كل أدب وفن، اما الشعر فلا يحتاج من الموهوب غير ملكة الحفظ وجزالة الإلقاء، فالشعر لم يكن فقط ديوان العرب وفي مقام الالياذة والأوديسة بالنسبة لهم، بل كان ايضاً سيد فنون المنطقة برمتها التي أبدعوا فيها ايما ابداع، خصوصا انه لا يحتاج إلا إلى عقل خلاق يؤلفه وذاكرة تحفظه ورأس يحمله من مكان الى آخر، فلا ريشة ولا ألوان ولا إطار ولا قماش ولا مطرقة ولا حامل ولا وتر ولا أي شيء مادي آخر يتطلب النقل والحفظ والعناية من عوامل البيئة.
من كل ذلك نجد ان للبيئة أعظم الأثر في تشكيل فكر الإنسان ومعتقده، فمسلمو الجزيرة مثلا أكثر ميلا إلى بساطة العيش وأكثر تقبلا للنوائب بسبب فقر البيئة ورتابة الحياة وشظفها الذي لا مجال فيه للرفاهية في العيش أو في العراء، من سكان المدن، لاسيما الزراعية منها الذين يكثر الوقت عندهم وتتسم حياتهم بالاستقرار وبتعدد ألوانها.
كما نرى في الجانب الآخر ان غنى البيئة الإسلامية خارج الجزيرة، وتعقد علاقات أهلها وتراثهم الحضاري الموغل في القدم قد ساهم في تشكيل التراث الإسلامي الجديد الخاص بهم والمختلف عن تراث الجزيرة، فقد بقيت جميع الدول التي دخلها الإسلام على عاداتها في ما يتعلق بالاهتمام بمناسباتها الدينية القديمة كعيد شم النسيم في مصر والنيروز لدى الفرس والتركمان والافغان والاكراد وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية السابقة، نعود ونؤكد ان الطبيعة هي التي كانت دائما تملي التطرف أو التسامح وليس العكس!!
نأتي لموضوع مقالنا هذا لنقول إن ايران، كمثال فقط، كانت طوال تاريخها، وحتى وقت قريب، من المصادر العظيمة لفن الغناء والعزف، وقد نهل الكثيرون من فنها الذي كان له الأثر الواضح على فنون المنطقة.
ولكن عندما جاء الخميني بثورته منع كل أشكال الطرب من عزف وغناء، ولكن توالي الضغوط عليه، وزيادة نسبة التجاوزات، دفعته في فترة لاحقة إلى تليين موقفه والسماح ببث أو الاستماع للبسيط وغير المثير من الموسيقى، ولكن من دون غناء، ثم سمح في مرحلة لاحقة للرجال بغناء أنواع محددة من الأغاني، ولم يسمح للنساء بالغناء لان اصواتهن «عورة»، وستبقى كذلك.
ونجد الأمر ذاته في انحاء كثيرة من الجزيرة العربية، حيث لا يزال الغناء، والعزف الموسيقي بجميع اشكاله، امراً مكروها وجالباً للشر، وهذه الحال مضت عليها اكثر من 14 قرنا، ولكن تخللتها فترات «انحلال» متقطعة.
وقد انحسرت دروس الموسيقى في السنوات الاخيرة في مدارس دول اسلامية كثيرة، ومنها الكويت، لمصلحة دروس تقوية دينية.
وفجأة اكتشف العلماء ان للموسيقى الكلاسيكية، ومقطوعات موزارات السيمفونية على وجه الخصوص، تأثيرا علاجيا ايجابيا على المرضى عموما والمرضى النفسيين والمصابين بالصرع بشكل خاص، فمقاطع قصيرة من سوناتا (ك 448) لموزارات مثلا يمكن ان تؤدي إلى الإقلال من حدوث نوبات المرض، ويقول البروفيسور جون جينكنز في هذا الصدد، وبعد مراجعته لنتائج البحوث الدولية التي اجريت في حقل الموسيقى العلاجية، انه من المحتمل جدا ان تكون لمؤلفات موسيقيين آخرين آثار ايجابية موازية لموسيقى موزارات، وورد في الـ«بي. بي. سي» على لسان البروفيسور نفسه ان مؤلفات باخ تشبه من الناحية التركيبية مؤلفات موزارات، واضاف ان البحوث دلت على ان تعريض المصابين بأمراض محددة إلى موسيقى موزارات لمدة عشر دقائق يوميا يؤدي إلى تحسن ملحوظ على قدراتهم الحركية كطي الورق وتقطيعه.
كما بينت بحوث مشابهة اجريت على الفئران ان الاستماع للموسيقى يجعلها اكثر قدرة على تجاوز العقبات.
وأظهرت تجارب دول اخرى ان الاطفال الذين يتمرسون على العزف على آلة موسيقية لمدة ستة أشهر يتفوقون على نظرائهم الذين يعملون على اجهزة الكمبيوتر، وعبر البروفيسور جينكنز المسؤول في كلية الأطباء الملكية بلندن، عن اعتقاده بأن نتائج هذه البحوث ستكون لها قيمة كبيرة وان التأثيرات الايجابية للموسيقى على مرضى الصرع أمر مشجع جداً، ومن الجدير بالذكر ان مناطق عديدة في المخ تشترك في عملية الاستمتاع بسماع الموسيقى ومنها الجهة اليسرى التي تختص بتحليل الايقاعات، بينما تتكفل الجهة اليمنى بتحليل اللحن، وان الاستمتاع بسماع الموسيقى من شأنه تحفيز تلك الاجزاء من المخ.
كما اكتشفت باحثون من هونغ كونغ ان الاطفال الذين تلقوا دروسا في الموسيقى لديهم ذاكرة لغوية أقوى من هؤلاء الذين لم يتلقوا هذه الدروس، وان الساعات التي يقضيها المرء في تعلم العزف على البيانو أو الكمان لا تضيع هدرا، فدروس الموسيقى تقوي من ذاكرة الاطفال، ويقول هؤلاء العلماء ان اكتشافهم سيساعد الذين أجروا جراحات في المخ على استعادة قوة ذاكرتهم، ومثلهم في ذلك مثل الاطفال الأصحاء.
وهكذا نرى ان تحريم الموسيقى الذي نادى به الكثير من رجال الدين (العلماء)، ولا يزالون، لا يفتقر فقط لأي سند ديني بل ولأي سند عقلي منطقي، فالمنع كان منشأه بيئيا وانطلق من فكر متأثر ببيئة جافة اكثر من أي شيء آخر، فمرحبا بالموسيقى.. ولكن مع من نتكلم نحن؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top