علاقة السوء غير المتكافئة (2)

استثمر الأفراد والشركات والدول، على مر الزمن، المليارات في مختلف المشاريع، لكن واحداً فقط أعطى مستثمريه، ما لم يحلم بشر بالحصول عليه، وتمثّل ذلك في رهان الصهاينة، أو قادة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على الولايات المتحدة، بعد أن تزعزعت قوة ومكانة بريطانيا وأوروبا. لذا قرّروا نقل نفوذهم السياسي والاقتصادي إلى واشنطن ومدنها الرئيسية، وخلق شبكات ضغط وتمويل وتحالفات حزبية وإعلامية ضخمة، مستعينين بالرشاوى وسطوة الإعلام، ونفوذ الجالية اليهودية الثرية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني الداعمة لهم، القادرة على التأثير على الرأي العام وعلى الانتخابات وصياغة الأولويات السياسية، وكان مؤتمر بلتيمور عام 1943 أحد فواصل هذه الحركة، حيث توسّع العمل المنظم بعدها عبر لجان ضغط وعلاقات عامة وحشد سياسي، والدخول مباشرة في تمويل حملات السياسيين الانتخابية، وبناء علاقات وطيدة مع ممثلي الحزبين الرئيسيين، بحيث لا يبقى الدعم لإسرائيل حكراً على حزب واحد، والسعي للسيطرة على الإعلام والرأي العام من خلال سردية أمن إسرائيل، وأهمية ذلك لأمن أمريكا، ومظلومية اليهود بعد المحرقة. وفي هذا السياق، تعتبر ipac من أكثر الجماعات نفوذاً خارج البيت الأبيض، الذي يتم التأثير فيه من كبار الوزراء والمستشارين، وزعماء الحزب والكونغرس، حيث تتلاقى المصالح الاستراتيجية الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية، ولوبيات السلاح والنفط وغيرها، ويبقى اللوبي المؤيد لإسرائيل الأكثر قوة بينها، وهذا ما رأيناه في الانتخابات التكميلية الأخيرة، وفوز مرشحين مدعومين من «أيباك» على منافسيهم، من خلال ضخ عشرات ملايين الدولارات لحملاتهم، كما أن دخول الرئيس ترامب الحرب مرتين مع إسرائيل، أو بناء على ما قدمته له من معلومات استخباراتية مضللة عن إيران، خير دليل على مدى النفوذ الإسرائيلي داخل البيت الأبيض، علماً بأن كل الجهات، من خارجية وبحرية ودفاع، عارضت الحرب، لكن ترامب تجاهلها جميعاً.
كما كان لـ«أيباك»، التي تأسست عام 1954، دور استثنائي في دعم إسرائيل، واستخدام الضغط السياسي والمالي، والتواصل شبه اليومي مع مؤيديها من رجال الكونغرس. وبينما تسعى جماعات الضغط الأخرى إلى تحقيق مصالح قطاع أو فئة معينة، نرى أن «أيباك» تدفع باتجاه تحالف في السياسة الخارجية يؤثر في المساعدات والتعاون الأمني والعقوبات وسياسة الشرق الأوسط. وهذا يعني أن عملها غالباً ما يصل إلى كل من الكونغرس والسلطة التنفيذية بشكل مباشر للغاية.

كما يوجد التحالف الإنجيلي المسيحي، ودوره كجماعة ضغط، كونه يشكّل قاعدة اجتماعية– انتخابية ودينية تضغط عبر الأصوات، والتمويل، وله دور في تشكيل المزاج الشعبي المؤيد لإسرائيل، وليس بعيداً عن الواقع ما يشاع عن دوره في تشكيل الوعي العام، والتدخل في مناهج المدارس، وكسب وسائل الإعلام العديدة إلى جانبه، وإخضاعها له، وتبقى للإنجيليين القدرة على كسب العمق الشعبي والانتخابي، بما يمتلكون من قدرة على تحريك الجماهير في الانتخابات الرئاسية والولايات الحاسمة، وتحالفهم مع «أيباك» مفيدة للطرفين لتمرير قرارات، مثل نقل السفارة إلى القدس، وتقوية المواقف المؤيدة لإسرائيل في عهد ترامب، بالرغم من اختلاف الطرفين توراتياً بعمق، خصوصاً في ما يتعلق بمن سيفوز في معركة «هرمجدون» التوراتية، وعودة المسيح.

وإلى مقال الغد..

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top