الوطن البديل
تزايد في الأشهر الماضية الحديث عن الجنسية والوطن والهجرة والولاء، فما هو الوطن؟ وهل يمكن التخلّي عنه، أو أن يصبح ذكرى فقط؟
المفهوم الفلسفي للوطن يتجاوز التعريف اللغوي البسيط كـ«المكان الذي يولد فيه الإنسان أو يعيش فيه»، ليصبح ارتباطاً عاطفياً وأخلاقياً، يشمل التماهي والولاء والتضحية. فالوطنية مفهوم حديث نسبياً، وينافسه في الأهمية الولاء للقومية أو العقيدة الدينية، كما لدى الإخوان المسلمين، الذين يختفي لديهم مفهوم الوطن. بينما يرى بعض الفلاسفة أن الوطن فكرة مجردة مقدسة تستحق الولاء، يراها الآخرون فكرة سيئة إن تحولت إلى تفوّق أخلاقي على الغير، كما آمن النازيون والفاشيست.
يتساءل الأستاذ العدني قاسم الحبشي: ما الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن وطن بديل، خصوصاً إن كان تجاوز الثمانين، كحال صديق له؟
ليس سهلاً على أي إنسان أن يُقتلع من جذوره، من أرض الطفولة والذكريات واللغة، فالوطن ليس قطعة جغرافية، ومع ذلك نرى ملايين البشر يتركون أوطانهم بحثاً عن مكان يمنحهم الأمان والكرامة والعمل، والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي. فالهجرة، خصوصاً في الكبر، ليست قرارًا إراديًا أو رغبة عابرة في تحسين مستوى المعيشة، بل هي اقتلاع بطيء للجذور من أرضها، ومحاولة شاقة لإعادة غرسها في تربة جديدة. الإنسان، بطبيعته، كائن ينتمي، والوطن امتداد نفسي ووجودي، وذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة، طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذا، فإن التخلّي عن كل ذلك لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء أعلى من كلفة الرحيل، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر، هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن، والتي عندما تغيب، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. فتلبية الحاجات الأساسية للإنسان، التي تحدّث عنها عالم النفس أبراهام ماسلو (1970)، فيما عرف بـ«هرم الحاجات»، أمر مهم معرفته، فالإنسان، قبل أن يبحث عن تحقيق ذاته، بحاجة إلى أن يضمن بقاءه، وهذا يعني الطعام والماء والمأوى والأمان. وحين تصبح هذه الحاجات مهددة، أو غير مستقرة، فإن التفكير في أي شيء آخر يصبح ترفًا. فالأمان ليس رفاهية نفسية، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحياة، وعندما يغيب هذا الأمان، يتحول الإنسان إلى كائن في حالة تأهب وقلق دائمة، غير قادر على التخطيط أو الاستقرار، ثم تأتي الحاجة إلى الانتماء، إلى أن يكون للإنسان مكان يشعر فيه بأنه جزء من جماعة، أن يكون معترفًا به، أن يكون له دور وعلاقات مستقرة.
ونلاحظ أنه في المجتمعات، التي مزقتها الصراعات، تتآكل هذه الروابط تدريجيًا، وتتفكك العائلات، وتتباعد الكيانات، وتصبح الهوية نفسها موضع نزاع. وعند هذه النقطة لا يعود الوطن قادرًا على احتضان أبنائه، بل يتحول إلى فضاء يطردهم نفسيًا قبل أن يطردهم ماديًا. فنحن نعيش جميعًا على كوكب (أرض) واحد، ونتنفس الهواء نفسه، ونشرب الماء نفسه، ونزرع الأرض نفسها، ونموت الموت نفسه. ولا فرق حقيقياً بين البشر إلا بقدر ما يبنونه من نظم عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه، وهنا فقط يمكن أن نفهم معنى التفاضل الحقيقي بين المجتمعات. فالتفاضل ليس بين الأعراق أو الأديان أو الشعوب، بل بين الدول العادلة المستقرة، التي تحمي مواطنيها وتمنحهم الأمان والحرية، وبين النظم الفوضوية الممزقة. والدولة العادلة لا تعني الكمال، لكنها تعني وجود قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها، وتعني أن الإنسان لا يحتاج إلى وساطة أو انتماء ضيق لكي يحصل على حقه، وأن كرامته ليست موضع تفاوض، وهذا ما نتمتع به في الكويت، وهذا ما يجب أن نحافظ عليه، ونزيده رسوخاً.
أحمد الصراف





