التقية كتقليد إسلامي

منطقيا وإنسانيا، وحتى غريزيا، يلجأ الإنسان، بما في ذلك الطفل، للكذب، لينقذ نفسه من موقف حرج، أو عندما تتعرض حياته للخطر، في رد فعل طبيعي لمنع وقوع الضرر، وهذا عرف بشري. ويقال بأن طائفة إسلامية تهتم بتطبيقه أكثر من غيرها، وهذه قد تكون نتيجة ضعفها، فما أن يشتد عضدها ويقوى حتى نجدها في حاجة أقل لأن تستخدم التقية، ويبدأ غرمائها، الذين كانوا يوما أكثر قوة، بالتوسع في استخدام التقية، كوسيلة دفاع طبيعية. لجأ مسلمو إسبانيا، بعد إنهيار دولتهم، الأموية السنية، عندما خيرتهم السلطة المسيحية الجديدة بين التحول للمسيحية، أو ترك البلاد، لجأت قلة لخيار ثالث، وهو التحول للمسيحية، ظاهريا، من خلال "التقية"، والاحتفاظ بدينهم الإسلامي، وذاب غالبية هؤلاء في مجتمعهم مع الوقت، وأصبحوا "كاثوليك"، بملامح شرق أوسطية واضحة، وبقيت قلة قليلة جدا، على إسلامها، وتعيش حتى اليوم في قرى جبلية نائية، بعد أن أصبحت إسبانيا، كغيرها من دول أوروبا، علمانية أو أكثر تسامحا دينيا.
كما يؤمن غالبية السُنّّة بنوع من التقية، لكن ليس بالمعنى نفسه الشائع عند الشيعة، وتعني إظهار خلاف ما تبطن، ويسمى "الإكراه"، ويستخدم فقط عند الضرورة، وتكون مقيدة بحالات الخوف على النفس أو الضرر الشديد، وبالقدر الذي يرفع الضرر فقط.
أما عموم الشيعة فيجعلون التقية أصلًا معروفًا ومتوسعًا نسبيًا في التراث الفقهي. ويستدل الشيعة على مشروعية التقية بآيات قرآنية عدة، منها ما يُقال إنها مستندة مباشرة إلى التقية، ومنها ما يُستنبط منه الإكراه والتوقّي من الضرر، أبرزها:
أوّلاً: آيات نصّ صريح أو قريب من معنى التقية
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) سورة آل عمران، الآية 28، ومنها يُستدل على أن التقية جائزة عندما يخاف المؤمن على نفسه أو عرضه أو ماله من الأعداء، فيظهر موالاة خارجية مع بقاء النيّة حقيقية في القلب.
وهناك ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — سورة النحل، الآية 106. وهنا تُستعمل دليلًا على أن من أُكرِه على قول كلمة الكفر بلسانه مع بقاء القلب مطمئنًا بالإيمان لا يُعد كافرًا، وهذا في نظر كثير من الشيعة دليل على جواز التقية تحت الإكراه الشديد.
أو ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ — سورة غافر، الآية 28. ومنها يُستدل على جواز كتمان الإيمان في حال الخوف من الاضطهاد، فيُقدّم بعض الشيعة هذا الرجل كنموذج للتقية في زمن الظلم.

ثانيًا: آيات عامة في الإكراه والضّرر تُستنبط منها التقية، الإكراه والحرج لتفهم التقية في إطار الضرورة، مثل: الآيات 172–173، و183، و195 من سورة البقرة (الإكراه على الكفر، ورفع الحرج في الضرر والمشقة).
الآية 145 من سورة الأنعام، و115 من سورة النحل، و78 من سورة الحج، التي تُذكر في كتب الشيعة كنصوص عامة تدل على جواز التقيّة في الظروف الاستثنائية، من خلال مفهوم الاضطرار ودفع الضرر.
أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top