الهوية.. وخيانة الأوطان
تقول الجزائرية «جيهان بهلولي»، بتصرف: منذ ولادتنا تُطلَق علينا أسماء ونكتسب هويات ودينا ومذهبا ولغة، لكن الإنسان لا يُختزل بها، فخلفها تكمن فسيفساء معقدة من جذور وأصول وتجارب تمتد عبر الزمان والمكان، فالذات البشرية تتكون بين ما هو وراثي وثقافي وتجريبي، وتتفاعل مع الزمن والمجتمع والتجارب الفردية، وبالتالي الهوية ليست ثابتة، بل حالة مستمرة من التشكل، تجمع بين الماضي والحاضر، وبين ما نرثه وما نختبره بأنفسنا. فكيف يمكن للإنسان أن يعرّف أو يعرف نفسه حقًا إذا كانت هويته متغيرة ومركبة؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يفهم أفراده إذا كانت كل شخصية فسيفساء من الأصول والتجارب؟ فالاسم مجرد واجهة تعريف، كي لا نظل مجهولين، ولا يعني الكثير. فقد يكون لشخص اسم إسلامي بحت، ليكتشف صدفة أو بالبحث أنه ينتمي لوالدين مختلفين، لغة وديناً، وهكذا مع الأنساب والذاكرة العائلية، التي تمنحنا شعورًا بالانتماء للماضي، لكنها ليست دائمًا دقيقة، فلا دليل مثلاً على صحة انتساب البعض لرموز دينية أو لحضارات ما. حتى الجسد وحده لا يحدد الهوية. فالإنسان قد يحمل دماء من ثقافات متعددة، لكنه يشعر بالانتماء الكامل لمجتمعه المحلي وثقافته اليومية، ويعيش عاداته وتقاليده كما تربى عليها. هذا يوضح أن الهوية ليست نتيجة مباشرة للوراثة البيولوجية، بل هي نتيجة تفاعل مستمر بين الجسد، التجربة، والانتماء الاجتماعي والثقافي.
في أي مجتمع يعيش البشر تجربة هوية متعددة من خلال لغاتهم: قد يتحدثون لغة الأجداد في البيت، ولغة وطنية في المدرسة، ولغة أجنبية في العمل أو الدراسة. هذا التنقل بين اللغات يمكّنهم من اختبار جوانب مختلفة من شخصياتهم، ويتيح لهم الانخراط في مجتمعات متعددة، وتجربة طرق مختلفة للتواصل مع العالم، مما يجعل الهوية أكثر مرونة وغنى، وأكثر خطورة، كما أن الثقافة ليست مجرد مجموعة تقاليد ورثناها عن أجدادنا، بل هي فضاء حي تتلاقى فيه التجارب الفردية والجماعية، والطريقة التي نحيا بها حياتنا اليومية، من عادات وأطعمة وموسيقى.. إلخ.
شكلت الحروب والتجارة والهجرة والاستعمار تاريخ البشرية، وجعلت الأفراد نتاجًا مستمرًا للاختلاط الثقافي والعرقي. كل إنسان يحمل في عروقه أثر تاريخ طويل من التنقلات والاندماجات، فالهجرة لم تكن مجرد حركة مكانية، بل عملية نقل ثقافي واجتماعي، وأدت إلى تشابك الهويات على مر القرون، ففي أية دولة خليجية يمكن أن تجتمع في شخص واحد دماء عربية هندية فارسية وتركية، وحتى أوروبية غربية، نتيجة الهجرات المتعاقبة والتاريخ الاستعماري، وهذا دليل على عدم وجود «النقاء» العرقي أو الثقافي، فالهوية البشرية دائمًا فسيفساء من الخبرات والجذور المختلفة.
المشكلة أن هذا التنوع أو الاختلاط يمكن أن يولّد أحياناً شعوراً بالغربة أو الانقسام الداخلي، إذ يجد الفرد نفسه أحيانًا بعيدًا عن أي ثقافة بعينها، أو مضطرًا لإعادة التوازن بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا تصبح عملية مستمرة من التأقلم والتكيف، حيث يسعى الشخص لمواءمة جذوره وتاريخه الشخصي مع الواقع الاجتماعي والثقافي الجديد، ما يجعل رحلة البحث عن الذات تجربة دينامية ومتجددة باستمرار. فالهوية تتشكل من شبكة معقدة من التجارب الشخصية والخلفيات الجماعية، فهي ليست ثابتة أو محددة بمجرد الانتماء إلى ثقافة أو لغة معينة. الفرد يعيش حياته اليومية في بيئات متعددة تتداخل فيها الثقافات، وتتقاطع فيها العادات، وتتفاعل معها خبراته الخاصة، فتتشكل هويته كخليط حي من الانتماءات المختلفة.
قد تخلق هذه الاختلافات صراعًا داخليًا، إذ يشعر الفرد أحيانًا بالغربة أو الصعوبة في الجمع بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا ليست مجرد تسجيل في بطاقة أو الانتماء لمجتمع محدد، بل عملية مستمرة من التكيف وإعادة البناء، حيث يسعى الفرد لمواءمة تجاربه المتنوعة مع شعوره بذاته، ويكتشف نفسه في الحوار المستمر بين الماضي والحاضر، وبين الأصول والانفتاح على الجديد.
وبالتالي، فإن وصف من وُجهت لهم تهم خيانة أوطانهم بأنهم «ناكري جميل»، قد لا يكون دقيقاً، فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك. وإلى مقال الغد.
أحمد الصراف





