بكاء الخميس المر

يبكي اليابانيون علنا في حفلات الوداع وفي المطارات ومحطات القطار وعند خسارة أي مباراة، فالبكاء جزء من الثقافة اليابانية، ومن المسيء عدم ذرف الدموع عند الخسارة فهي علامة على الصدق مع النفس والإخلاص!
****
قبل نصف قرن تقريبا أدخلنا في بنك الخليج نظام الـ micro fish لتصوير واستعادة المستندات، وربما سبقنا الغرب بعشرين سنة في استخدام تلك التقنية البسيطة، وبعد سبعين عاما لا تزال مستندات البلدية ووزارة العدل وعشرات الجهات الحكومية المتخلفة الأخرى تفتقد هذه الخدمة البسيطة والمهمة، ويوم الخميس الماضي أكملت فترة انتظار 15يوما للحصول على صورة وكالة عقار من وزارة العدل (عدل! أي عدل؟) وقد زرت في اثنائها مجمع الوزارات 3 مرات وصدمت لحالة فوضى المواقف خارج المجمع وداخله وتراكم السيارات في كل مكان وعلى أرصفة المواقف، واضطرار البعض للسير ما يقارب الكيلومتر للوصول الى المبنى، ولا أزال بانتظار حصولي على صورة ضوئية لوكالة العقار!
عدت للمكتب يومها حزينا والخيبة تملأ نفسي لفشلنا الإداري الكبير، وكانت مفاجأة سيئة أخرى تنتظرني، حيث تبين أن فاكسات الشركة، التي تمثل شريان حياتها، قد انقطعت الخدمة عنها. وبمراجعة المندوب للسنترال قيل له ان «مكينة» خطوط الفايبر أوبتك قد احترقت وإصلاحها يتطلب ساعات معدودة أو أياما عديدة(!!)، وهنا تم تجنيد عدد من موظفي الشركة للاتصال بمئات العملاء لإعلامهم بعطل الفاكس وتلقي الطلبات منهم.
بعدها بنصف ساعة انقطعت الكهرباء عن المكتب وتوقف سريان الدم في عروق عشرات الموظفين والمحاسبين ومراجعي الحسابات المعنيين بإغلاقات نهاية السنة المالية، وهنا شعرت بأنني أرغب في البكاء، ليس لما تعرضت وتتعرض له الشركة من خسارة مالية كبيرة وتأخير في إنجاز الأعمال وهدر ساعات عمل غالية، فهذه جميعا مقدور عليها ويمكن تعويضها بسهولة، بل لفشلنا حكومة وشعبا في أن نحقق ولو أدنى درجات النجاح، ولما ساهمنا جميعا في إيصال الأوضاع في وطننا الصغير والجميل إلى هذا الدرك من سوء الإدارة والفساد المالي والتردي الأخلاقي، فلو كانت هناك أخلاق وأمانة وصدق لما وصلت أوضاعنا الىهذا الانحطاط، خصوصا ونحن نرى مساجدنا ومصلياتنا، في مجمع الوزارات بالذات، تمتلئ بالمصلين!!
فإذا كانت الحال بكل هذا التردي في كل مرفق حكومي، وحتى خاص، وإذا كان التخلف عاما وشاملا والاختلالات بهذا الوضوح وعدد السكان لا يتجاوز 3 ملايين بكثير وميزانية الدولة أقل من 20 مليارا فكيف ستكون عليه الحال إن عزمت الحكومة على السير قدما في خطة التنمية وصرف عشرات مليارات الدولارات على مشاريع تحتاج لمئات آلاف الأيدي العاملة؟ أين ما يكفي من الطاقة الكهربائية؟ أين كفايتنا حاليا من الخطوط الهاتفية التي تعمل بصورة جيدة؟ ماذا عن مياه الشرب الصالحة؟ ما مصير الثروة السمكية، بعد بناء جسر لسنا بحاجة اليه؟ وماذا عن استيعاب الطرق التي من الواضح أنها عاجزة حاليا عن استيعاب الموجود فما بالك بالسنوات العشر أو العشرين القادمة؟ مئات الأسئلة التي لا أحد يود التصدي لها ولا لمعالجة الأمراض في جسد الدولة، في الوقت الذي يبدو فيه أن لا شيء يشغل كبار الحكومة غير الإسراع في صرف المليارات المتكدسة وليذهب المعترضون إلى الجحيم فلا صوت يعلو على صوت التنمية.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top