أفكار ومقترحات الشواذ

انتهت قبل ايام مشاكل الكويت كافة، ومعها مشاكل الأمتين العربية والإسلامية، وأصبح بإمكان مشرعينا الاهتمام بالأمور البسيطة والساذجة التي طالما تناسيناها، كمشروع القانون الذي قدمه النائب محمد الهايف المطيري للبرلمان والمتعلق بمنع إجراء عمليات الجراحة التجميلية من غير موافقة لجنة حكومية مختصة! وهذا يعني أن غير الراضي أو الراضية عن شكل أنفها أو حجم صدرها أو تكور أردافها أن تذهب لطبيب في لبنان أو مصر وإيران، وإجراء ما تشاء من عمليات، وفي حال لم يكن لديها مال ولا حلال فما عليها غير تعريض كرامتها وخصوصياتها للبهدلة والسماح للجنة المقترحة من النائب محمد هايف أن تقرر نيابة عنها شكل أنفها ومدى كمية البوتكس التي تحتاجها شفتاها أو أردافها! إضافة إلى ما يعنيه من وجود فرصة لتوسطه، وغيره من النواب الأشاوس، لدى اللجنة «الصحية» للموافقة أو عدمها، على تعديل أنف فلانة أو تحوير ورك أخرى أو تدليك ما يلزم من أعضاء فلان! وأكاد أشتم رائحة تدخل طبي لبناني مصري إيراني في صياغة مواد هذا القانون الأهيف في تاريخنا النيابي!
كما تضمنت مادة أخرى من القانون المقترح حظر إجراء عمليات الوشم وعمليات التحول الجنسي وتغيير الجنس في الأوراق الرسمية، ومن يخالف ذلك، أي غير القادر على السفر والدفع للأطباء خارج الكويت، يعرض نفسه للحبس خمس سنوات! يعني: فقير وجيكر ومحبوس!
لست معنيا بقضايا الأنف وتكبير او تصغير الصدر والأرداف، وهي القضايا التي تشغل عادة بال هؤلاء المشرعين، لكونها قضايا شخصية بحتة ويجب ألا يعطيها المشرع أي اهتمام جدي في خضم كل وحل التخلف الذي نخوض فيه، ولكني معني بأوضاع فئة لم تتردد جهة في المجتمع من توجيه سهام الظلم والنقد لها من دون سبب مقبول! فليس هناك من يقبل او يختار أن يوصف بالشاذ أو بالمتحول جنسيا أو بالمثلي في مجتمع متخلف لا يرحم ولا يتفهم ولا يقدر ظروف الآخرين البيولوجية! فهذه الفئة قد لا تكون أفضل أو أقل من غيرها في المجتمع ولكنها حتما ليست بالغبية لتعرض نفسها، راضية مرضية، لكل هذا التشدد القبيح في المعاملة والتهديد بالسجن والبهدلة في الأماكن العامة ورفض التوظيف وسوء فهم عارم، فقط لأنها «تشتهي» ذلك وتبحث عن البهدلة والاحتقار، فلو كان لديهم أي خيار آخر لما عرضوا انفسهم لكل سوء الفهم والخطر هذا، فهم ليسوا مجاهدين أو اصحاب رسالة، بل بشر مثلنا تعرضوا في فترة من حياتهم، كأجنة أو اطفال وحتى بالغين، لتطورات جنسية جسمانية لا يد لغالبيتهم فيها، ومن الظلم بالتالي معاملتهم بمثل هذا التحيز البشع وغير المبرر، وأن يأتي نائب ليمنعهم، بقانون غير إنساني ولا منطقي، من حق إجراء عملية جراحية تتطلبها ظروفهم الخاصة!
لقد حاولت المجتمعات البشرية عبر التاريخ التخلص من هذه الفئة المظلومة باستخدام التهديد والتشويه الاجتماعي والنفي في الأرض وحتى القتل، في محاولة للقضاء عليهم، ولكنهم بقوا وصمدوا ليس عن بطولة ولا شجاعة، بل لأنه لم يكن لهم عبر التاريخ البشري خيار آخر، فقد كانوا دائما جزءا لا يتجزأ من النسيج والتكاثر البشري، فنسبتهم في أي مجتمع لم تتغير بشكل جذري منذ البدء، ومعاملتهم بأي طريقة غير التفهم والتسامح، والعلاج الطبي الجراحي، لن تجدي، شاء نبيل وغيره أم أبى!! فما نحتاج اليه هو الكثير من التسامح وادراك حقيقة مشاكلهم ومساعدتهم في حلها، فمثلما فشل القتل والسحل والتجاهل والاستنكار والتكفير في القضاء عليهم، فسيفشل هذا القانون وغيره في حل مشكلتهم. ومن يحتقر أو يسئ معاملة هذه الفئة إما أنه لا يعرف حقيقة أوضاعها الصحية والنفسية، واما انه مستفيد ماديا و«دينيا» من التهجم عليها، أو ربما لوجود عقدة في نفوسهم منها، ويودون نسيانها!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top