وطني والعراق.. وأنا

أتقن التحدث باللهجة العراقية، ولسبب لا أعرفه أستمتع بالتحدث ورواية النكات بها، خاصة الحادة منها، كما أعرف عن العراق، فناً وتاريخاً وأصدقاء، أكثر مما أعرف عن أي بلد آخر، باستثناء لبنان. وأعتقد أن امتداد الكويت الطبيعي هو باتجاه الشمال، وليس الجنوب، الذي قدم منه، على مدى قرون، نصف سكان الكويت تقريباً، ولن يعودوا إليه، فعيونهم على الشمال!
كان لا بد من هذا التمهيد قبل الدخول في صلب المقال، عن علاقة الكويت المتوترة «تاريخياً» بالعراق، وهو التوتر الذي لم يكن يوماً في مصلحة البلدين، وبالذات العراق، خصوصاً في الفترة الأخيرة. وهنا نجد أن من يحاول إثارة الضغائن من الطرفين، والتحدث عن خلافات وثارات ومؤامرات، لا ينطلق من حرصه على مصلحة وطنه بقدر ما يتحدث باسم طرف آخر! وهذه الاتهامات ستعيد البلدين إلى المربع الأول، الذي اعتقدنا يوماً أننا خرجنا منه، وربما هذا ما يهدف إليه هؤلاء، وعلى عقلاء البلدين إسكات الأصوات النشاز، والتفرغ للتنمية، فالكويت لا يمكن أن تأمن جانب العراق طالما لم يستقر ويزدهر اقتصادياً وينعم بديموقراطية حقيقية، والعراق دولة كبيرة في المنطقة ذات موارد طبيعية ومالية وبشرية هائلة لا تقارن بقدرات الكويت وحجمها، وبالتالي فإن أي محاولة لتصوير الكويت وكأنها المعتدية على العراق وحقوقه وأراضيه، وأنها تتآمر باستمرار عليه وعلى استقراره، مسألة لا يمكن بلعها بسهولة، وحتى لو صح ذلك، فيجب وضعه في إطاره الزمني، ويجب ألا تستمر معاناة الشعبين بسببه، ولو نظرنا إلى بحور الدماء التي سالت بين دول كبرى، وما أصبح يجمعها الآن من صداقة وتفاهم، لأسفنا لوضعنا، بالرغم من أننا أكثر قرباً وفهماً ومحبة بعضنا لبعض مقارنة بهم!
كما تأخذ بعض الأطراف في العراق على الكويت، خلال حرب العراق وإيران، وقوف الكويت مع نظام صدام، ويعتقدون أن هذا الدعم المالي واللوجستي أطال أمد الحرب، وتسبب في موت الكثيرين، وهذا ربما يكون صحيحاً، ولكن من جانب آخر لو اختارت الكويت وقتها الوقوف على الحياد لجاء فريق آخر أو الفريق نفسه، ليوجه اللوم لها على حيادها وامتناعها عن دعم العراق، والادعاء بأن هذا ساهم في إضعاف العراق، وإطالة أمد الحرب والتسبب في زيادة عدد ضحايا الطرفين، وبالتالي نحن بحاجة لنشر المحبة بيننا، وأن ندع حل الأمور الشكلية بين الطرفين للأجهزة الفنية، فالعراق ليس بحاجة لمنافسة الكويت، ولا الكويت قادرة أو راغبة في أن تكون من نفسها نداً للعراق أو قوة كبرى في المنطقة، فلا عمقها ولا حجمها ولا قدراتها تسمح لها بذلك، وأن على العراق تفهم ذلك والعمل لما فيه خير الطرفين، فآفاق التعاون يمكن أن تصل لعشرات المليارات سنوياً، وهذه هي التي ستكرس السلام الدائم بين الطرفين، وليس الاتفاقيات الدولية، ويجب ألا ندع فئة حاقدة هنا أو متآمرة هناك تقضي على حلم السلام والرخاء بين البلدين.

***
ملاحظة: ينشر هذا المقال بالتزامن مع «المدى» العراقية.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top