نهاية أغنى وأغبى رجل في التاريخ

تساءلت في مقال نشر قبل أكثر من سنة تقريبا عن سر انفراد ليبيا بكونها الدولة الغنية الوحيدة في العالم، وربما في التاريخ، التي لم يكن فيها عدد يتناسب ودخلها من أصحاب الثروات، محليا وخارجيا. كما لم تشتهر ليبيا، بالرغم من ثرائها النقدي، بأي استثمارات عالمية حقيقية، غير حالات قليلة ومتواضعة مقارنة بمثيلاتها من الدول النفطية. ولو استبعدنا مغامرات عقيدها المجنونة في تشاد وغيرها وتمويله لعدد من حركات العصيان والمقاومة هنا وهناك، وما دفعه للسكوت عن تتويج نفسه «ملكا لملوك أفريقيا»، وما بذله من جهد للتغاضي عن تعيين نفسه «عميدا» للزعماء العرب، فاننا نجد أن ليبيا خلت، نسبيا، من قصص الفساد المالي التي اشتهرت بها نظيراتها النفطية، وبالتالي لم تعرف القطط السمان ولا استثمارات ضخمة، ولكن ما ان أطيح بالقذافي حتى انكشف السر، واذا بنا أمام الرجل الأغنى في العالم بسلطة غير محدودة وقدرة على صرف اكثر من 160 مليار دولار اميركي عدا ونقدا من دون أي خوف من مساءلة أو حساب، ومع كل هذا الثراء كان العقيد «شخبوطيا» بامتياز، وكان غباؤه بحجم ثرائه، فقد احتفظ بكل تلك الثروة وكأنه سيعيش الى الأبد وهو يراها تكبر يوما بعد يوم، أو ربما اعتقد أنه لن يموت أو سيأخذها معه الى القبر. فبالرغم مما أشيع عنه من صرف على ملذاته الشخصية، فان حياته كانت تتسم بقدر من التقشف، هذا بصرف النظر عما كان يصرفه أبناؤه على ملذاتهم ومغامراتهم العاطفية في الخارج، والذي لم يكن يقارن بتصرفات أمثالهم، أو يتناسب وثراء أبيهم، فحياة العقيد «الأخوت» كانت بسيطة ومزيفة في الوقت نفسه، فصلعته كان يغطيها بباروكة، وأكثر احذيته كانت بكعب مرتفع، الا أن اصراره على العيش في خيمة كان صادقا، وعلامة على جهله بكيفية الاستمتاع بالحياة، وهذا انسحب على نفسيته ومنعه بالتالي عن فهم كيفية الصرف على شعبه الذي حكمه بالارهاب لأكثر من أربعة عقود. وهكذا عمل جاهدا على الاحتفاظ بكل تلك الثروة، التي ربما أضاع مثلها على أخطائه وهفواته وجرائمه وحرسه ومخابراته وجيشه الوهمي، وشيئا منها على عائلته، ورفض الصرف على أي مشاريع حيوية وحرم على شعبه كل شيء تقريبا، حتى النهر العظيم الذي تكلم عنه على مدى ثلاثين عاما، لم يسبق للكثيرين أن شاهدوا له صورة أو لقطة واحدة، هذا بالرغم من أنه كلف ليبيا ملياري دولار.
مات الغني الغبي كالجرذ، وهو الذي وصف شعبه بالجرذان، وهذه عادة نهاية الطغاة، وعاش الشهور الستة الأخيرة من حياته مطاردا مشردا بعيدا عن أهله، ولم تذرف دمعة حزن حقيقية واحدة على مقتله، من غير أهله ربما، الذي فشل في تربيتهم كما فشل في قيادته واستثمار ثروة بلاده، واصراره على كتابه الأخضر الأكثر تفاهة منه، فهل يتعظ الآخرون من الدرس ويدركون أن من الاستحالة أن يتغلب أي فرد كان أو عائلة أو حزب أو جماعة على شعب كامل، مهما طال الزمن؟

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top