أولاد فريجنا (1 - 2)

مات «أبو عود» بعد أن جاوز المائة بكثير، وعاش حياة حافلة بالانجازات، تاركا سبعة أبناء ذكوراً، وثروة هائلة لم يمتلك مثلها أحد من قبل! ولمنع وقوع صراع بين الأبناء، قام باستثمار كامل ثروته قبل وفاته في سبعة مشاريع، كل واحد عبارة عن مدينة كاملة الخدمات والتجهيزات، وكانت تلك المدن أكبر ارث تركه إنسان لأبنائه في تاريخ البشر! مرّ قرن، وتلاه آخر، وبضعة عقود، مات أثناءها الأبناء السبعة واحدا بعد الآخر تاركين ذرية كبيرة وراءهم، وهكذا مع الوقت وصل عدد الأحفاد في كل فرع إلى الآلاف، ومعهم كبرت الثروات اكثر، خاصة بعد أن تم اكتشاف نوع نادر من المعدن الثمين في باطن المناطق الخالية من تلك المدن، واتاح هذا للجميع العيش برخاء وغنى، ما بعده ولا قبله غنى! ثم جاء يوم قرر فيه «مستنير» من أحفاد أحفاد «أبو عود»، وبموجب الحق الشرعي الذي يخوله بالتصرف بما يملك، نيابة عن نفسه وأسرته، قرر التنازل عن ثروته، وثروة اخوته، وما يمتلك من حقوق و«امتيازات» معدنية لسكان مدينته الصغيرة! أثار ذلك في حينه حنق اخوته، وابناء عمومته عليه وأوغر صدورهم، ولكن لم يكن أمامهم من خيار غير الرضوخ للأمر على مضض، فحقه الشرعي في ما فعل واضح، كما أن شخصيته القوية والآسرة منعت الجميع من عصيان أمره. لم تقف الأمور عند ذلك الحد، بل تطورت بعد أن وجد المستنير أن من الضروري أن يكون هناك «عقد اجتماعي» ينظم العلاقة بينه، ككبير القوم، وبين بقية سكان مدينته، وهكذا جرى ما يشبه العملية الانتخابية لاختيار من يقوم بصياغة «العقد الاجتماعي»، الذي نص في نهاية الأمر على تخلي المستنير عن حقه التاريخي في إدارة تركته، وتخويل جميع السكان «المختارين» بأمر الإدارة، فهو أولى وأدرى بشؤون مدينتهم، ونال «العقد» رضا وقبول الجميع، مع تردد قلة رأت أن بنوده في غير مصلحتها، خاصة وهي ترى الثراء والقوة اللتين يتمتع بهما اقرانهم وابناء عمومتهم، الذين ورثوا بقية المدن الست الأخرى!
تقلبت الأمور، بين مد وجذب، بعد موت «المستنير» عندما حاول اخوته وابناء عمومته إلغاء العقد الاجتماعي، أو على الأقل تفسير بنوده لمصلحتهم، ولكن الظروف لم تكن تسعفهم كثيرا، خاصة أن المخاطر الكبيرة التي كانت تحيق بتلك المدينة الصغيرة، داخليا وخارجيا، كانت تتطلب دائما تكاتف ذرية المستنير وابناء عمومتهم، وبقية السكان، ولم يكن هناك ما ينظم ذلك التكاتف واستمرار التعاون والاتحاد والتعاضد غير بنود ذلك «العقد الاجتماعي»، التي كانت تترسخ مع الزمن بالرغم من كل محاولات تعديل أو تبديل كل أو بعض بنوده. وبالرغم من جدية محاولات البعض ممن جاء بعد المستنير لإلغاء أو تجميد العقد الاجتماعي، فان رجاحة العقل منعتهم من تكرار المحاولة، فالخيار كان دائما إما كل شيء، مع خطر قيام فوضى عارمة، أو بعض الشيء، مع رخاء وسلام، وكان الأخير الثاني هو الأرجح في غالب الأحيان، وإن على مضض. (نكمل غدا).

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top