عثرات وصدمات في الطريق (2 - 2)

لو أخذنا جميع الأصول المادية للشركات الـ500 الأكبر في بورصة نيويورك، وقمنا ببيعها فلن نحصل على أكثر من 20 في المئة من قيمتها الحقيقية البالغة 28 تريليون دولار (28 ألف مليار دولار). والسبب ان قيمتها الحقيقية تكمن في أشياء لا يمكن رؤيتها أو حسابها، كالخوارزميات والعلامات التجارية والقوائم، وهذه ظاهرة عالمية جديدة في عالم المال والأعمال. فبالعودة لعام 1985، وقبل ان يهمين «وادي السيليكون» على ترتيب أكبر الشركات الأميركية، كانت الأصول الملموسة للشركات تميل إلى أن تكون أقرب إلى نصف القيمة السوقية. بدأ التحول بعد الأزمة المالية عام 2008، وتاليا من خلال إغلاقات وباء الكوفيد covid-19 وما تسبب به من ارتفاع في قيمة الشركات الثقيلة وغير الملموسة مثل غوغل google وفيسبوك facebook وأمازون، وسبب ذلك قلقا لأولئك الذين يهتمون بمصير نسب التوظيف وعدم المساواة في الأجور. فقد تزامنت زيادة أهمية الأصول غير الملموسة لهذه الشركات مع تعرض العديد من الأيدي العاملة الأميركية للبطالة وركود أجور العمالة، ونقص مزايا من بقي منهم في عمله. ويشير باروخ ليف، الأستاذ في جامعة نيويورك، الذي أشعلت كتاباته نقاشا حول هذا الموضوع، ونتج عنها ردود أفعال ضد شركات التكنولوجيا العملاقة والتي وجدت طريقها تاليا إلى الكونغرس، إلى عدم حاجة الشركات لجحافل العمال، كما هو الحال مع الشركات التقليدية الأخرى، خاصة مع تضخم اصول الشركات العملاقة، التي تجاوزت قيمة إحداها، وهي «أبل» التريليوني دولار، وهو يقارب ضعف قيمة أرامكو السعودية، التي كانت الشركة الأكبر في العالم يوما.

***

ما حققته هذه الشركات لم يكن نتيجة مصادفة تاريخية أو اكتشافات جيولوجية، بل نتيجة طبيعية لنظم تعليم متقدمة. ففي الكويت مثلا نجد فارقا كبيرا في مستوى مخرجات المدارس الحكومية مقارنة بالمدارس الخاصة، لمصلحة الثانية بشكل قوي، حتى لو كانت الخلفيات الاجتماعية والمادية والثقافية متقاربة جدا، فإن هذا يعني ان فروقا بسيطة في طريقة التعليم تمكن الطالب من تحقيق نتائج أفضل، وفرصة أكبر لدخول الجامعات ذات التصنيف العالمي المرتفع، فما بالك لو تغير النظام التعليمي في الكويت ليكون أفضل بكثير مما هو عليه الآن؟ كما نجحت المدارس الخاصة من شبه تجاوز حالة التخبط التي سيطرت على وزارة التربية لشهور، وربما لا تزال تعاني من التخبط، وهذا ربما دفعها لممارسة مختلف الضغوطات على المدارس الخاصة، وتجميد رسومها لأربع سنوات متتالية، أو خصم نسبة 25 في المئة من المصروفات لحين السماح بعودة الطلاب إلى المدارس بشكل نظامي. فالحكومة مثلا لا تسمح بتدريس النظريات العلمية التي غيرت وجه التاريخ، كنظريات دارون، ولم تسمح حتى للمدارس الخاصة بتدريسها، فكيف تتقدم الدول؟ نأمل أن يُترك المجال لوزير التربية الحالي، الأستاذ علي المضف، لتعديل وضع وزارة طال إهمالها، بالرغم من أنها الأهم على الإطلاق في كل دول العالم...! فهل سيتحقق له ولنا ذلك ونخرج من كبوتنا التعليمية؟

أحمد الصراف 

a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top