من كان منكم بلا خطيئة

اندلعت أعمال احتجاج وشغب خطرة في معظم الولايات والمدن الأميركية الرئيسية، وتعرضت الممتلكات الحكومية والخاصة للنهب والحرق والتدمير، في موجة عنف لم تشهدها أميركا منذ مقتل الزعيم مارتن لوثر قبل أكثر من 50 عاما. الأحداث الأخيرة لم تأت فقط كرد فعل لتصرف وحشي من ضابط شرطة «أبيض» أدى لوفاة أميركي من أصل أفريقي، أثناء إلقاء القبض عليه، بل كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن أصبح المجتمع الأميركي، المتعدد الأعراق، مع وصول «ترامب» للسلطة، بدعم من الانجليكان المتشددين، المؤمنين برقي الجنس الأبيض على غيره. وبالتالي فإن تحيز هؤلاء ضد كل الأقليات السوداء والأفريقية والأسبانية، والمسلمين تاليا، ليس وليد اليوم، بل يعود لبدايات تأسيس الدولة. فقد كانت الأقلية السوداء، حتى بعد إلغاء الرق رسميا، مهمشة تاريخيا ومهملة، ولم يحصلوا على شيء من الثروات والأراضي التي أعطيت للأوروبيين الذين أتوا تاليا لاستيطان أميركا، بل استمرت النظرة الدونية لهم، والحرمان من كل الحقوق، ولم يكن امام الكثير من هؤلاء غير الإجرام طريقا لإثبات وجودهم، فأصبح غالبية نزلاء السجون منهم، وهم الأكثر فقرا والأقل تعليما والأكثر توالدا وميلا للعنف، وشكوك الطرفين بعضهما ببعض عميقة، ولو سألت أي طرف عن سبب موقفه من الآخر لسرد لك قائمة بالأسباب التي تدفعه لكراهية الطرف الآخر، ومعاداته، خاصة مع تعمق الخلاف وغياب لغة التفاهم، ولكن مبادئ الحرية في أميركا ستسود في النهاية، فلا يزال فيها قادة يستحقون كل احترام وينتشلون وطنهم من عثرته حتما، بالرغم من أن مشاعر الكراهية والشك في الآخر لن تنسى او تمحى سريعا أو بسهولة.

***

نترك أوضاع الأميركان وأحوالهم لهم، فليس لنا دالة عليهم، ولنولِّ وجوهنا شطر مجتمعاتنا. فقد كان غريبا ومدعاة للغثيان مواقف البعض الشامتة والساخرة مما يجري في أميركا، وخاصة من أولئك الذين تلقوا تعليمهم فيها، وأرسلوا أبناءهم، ولا يزالون، للدراسة هناك، ومن الإخوان المسلمين بالذات. فما أبدوه وعبروا عنه من مظاهر التشفي والسعادة لما جرى كان مقززا، وكان من الممكن الاتفاق معهم في معارضتهم لموقف الإدارة الأميركية من الأقليات انسجاما مع مواقف بقية قوى الحرية في أوروبا مثلا، ولكن أن يأتي الهجوم من «جماعتنا» بالذات، فهو المستنكر بالفعل. فمتى أصبح «الإخوان» وغلاة المتشددين الذين نصبوا أنفسهم «حماة للتقاليد والأعراف»، من المدافعين عن الحريات وعن الأقليات، وهم الغارقون حتى آذانهم في كراهية الغير والحقد عليه؟ أين مواقفهم وآراؤهم من ظواهر ومظاهر الكراهية العنصرية والمذهبية والدينية والقبلية والعرقية والعائلية المتجذرة في أوطاننا؟ ما لا يعرفه إلا القلة أنه لولا بريطانيا ومواثيق الأمم المتحدة لكنا لا نزال نتعامل بالرقيق، بكل أطيافه وألوانه. فمن نكون لكي نحكم على أخلاق غيرنا فيما يتعلق بالتصرفات العنصرية، ونحن فيها منغمسون؟

***

توجد في اليمن فئة تسمى «الأخدام»، تعاني التمييز بسبب لون بشرتها، وإقامة أية علاقة بها يعتبر عارا لا يغتفر. وقبل أيام فقط تعرضت طفلة تنتمي للأخدام لحادثة اغتصاب من قبل خمسة رجال، وتم تجاهل العقوبة بسبب خلفية الفتاة العرقية، وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه الجماعة لمثل هذه الجرائم ولا يكلف أحد نفسه بمجرد الحديث عنها، او تلقى أي اهتمام من الدولة. وفي باكستان، حكم على فتاة كونت علاقة مع شاب من قبيلة «أعلى مرتبة»، بمعاشرة عشرين رجلا من القبيلة الأعلى، عقابا لها على تجاوز حدود الأعراف القبلية. ويقول القارئ عادل ان نظرتنا الى من يخالف ديننا او مذهبنا او طائفتنا او عائلتنا او قبيلتنا، تشوبها عنصرية مدمرة. وبالتالي يجب أن نخجل من أنفسنا، ونكون آخر من يندد بالممارسات العنصرية في أميركا أو غيرها، وأن نخجل من اظهار الفرح والتشفي مما يحدث من تدمير وخراب وسرقات. ويتساءل: ألم يقم البعض منا بتخريب قناة تلفزيونية لأنها أساءت لأحد أفراد أسرتهم؟ أولم يقم غيرهم بالتعدي على دور الصحف لأنهم شعروا بأن قبيلتهم قد أسيء لها. الأمثلة على عنصريتنا وتعصبنا وتخلفنا لا تعد ولا تحصى، ويجب أن يتوقف من بيته من زجاج من رمي بيوت الآخرين بالحجر.

 أحمد الصراف

a.alsarraf@alqabas.com.kw

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top