العقيدة شأن خاص

بالرغم من القاعدة الفقهية التي تقول انه لا خيار لنا، إلا أن الحقيقة ان العقيدة شأن خاص. ولو سألنا صاحب أي عقيدة عن سبب تمسكه بعقيدته لأرجع السبب إلى صحة ما يؤمن به. كما يبدي كل فريق استعداده لبذل الغالي والنفيس في سبيل عقيدته، ولو كان ثمن ذلك حياته.
وفي مقال لكاتب مجهول يقول ان نقاشا دار حول مائدة مستديرة عن «الأديان والأخلاق»، وكان الحضور رجال دين من عقائد ومذاهب شتّى. وبعد انتهاء النقاش، وجّه أحد رجالُ الدين سؤالاً للدلاي لاما، زعيم التبت الروحي، عن أفضل الأديان من وجهة نظره؟ وكان السائل يتوقع أن الدلاي لاما سيقول: «بوذية التِّبت هي الأفضل»، أو على الأقل «الديانات الشرقية التي سبقت المسيحية بقرون هي الأفضل»، لكن الدلاي لاما ابتسم وقال بهدوء:
– «العقيدةُ الأفضلُ هي تلك التي تجعلك شخصا أفضل. وتجعلك أقرب إلى صورة الله على الأرض».
وهنا ألحّ السائل في معرفة العقيدة التي تجعل الإنسانَ شخصا أفضل؟ فأجاب الدلاي لاما: هي التي تجعلك أكثر رحمةً، أكثر إدراكًا، أكثر حساسيةً، أقلّ تحيّزًا، أقلّ عنصريةً، أكثرَ حبًّا، أنظفَ لسانًا، أكثر إنسانيةً، أكثر مسؤوليةً، وذا أخلاق عالية، وبالتالي فإن الدين الذي يجعلك كل ما سبق، هو الدينُ الأفضل.
واستطرد قائلا: «لستُ مهتمًّا يا صديقي بعقيدتك أو دينك أو مذهبك. أو إذا ما كنتَ متديّنًا أم لا. الذي يعنيني حقًّا هو سلوكك أمام نفسك، ثم أمام نظرائك، ثمّ أمام أسرتك، ثمّ أمام مجتمعك، ثم أمام العالم. لأن كل ما سبق سيشكّل كيانك وصورتك أمام الله. تذكّر أن الكونَ هو صدى أفعالنا وصدى أفكارنا. وأن قانونَ الفعل وردّ الفعل لا يخصُّ علم الفيزياء فحسب، بل هو أيضا هو قانونٌ يحكم علاقاتنا الإنسانية. فإذا ما امتثلتُ للخير سأحصدُ الخيرَ، وإذا ما امتثلتُ للشرّ، فلن أحصد إلا الشرَّ. علّمنا أجدادُنا الحقيقة الصافية التي تقول: سوف تجني دائمًا ما تتمناه للآخرين. فالسعادةُ ليست رهن القدَر والقسمة والنصيب، بل هي اختيارٌ وقرار». ثم ختم الدلاي لاما كلامه قائلا: انتبه جيدا لأفكارك، لأنها سوف تتحول إلى كلمات. وانتبه إلى كلماتك، لأنها سوف تتحول إلى أفعال. وانتبه إلى أفعالك، لأنها سوف تتحول إلى عادات. وانتبه إلى عاداتك، لأنها سوف تُكوّن شخصيتك، وانتبه جيدًا إلى شخصيتك، لأنها سوف تصنع قَدَرك، وقَدرُك سوف يصنع حياتك كلّها». انتهى.
ما يريد قوله الدلاي لاما بكل بساطة هو أن الدين وسيلة، وليس غاية. الغايةُ العليا هي «الصلاح». والدينُ هو أحد السبل للوصول إلى الصلاح. فإن قضى الإنسانُ عمرَه كلَّه في مسجد أو كنيسة أو هيكل أو معبد، يُصلّي ويصوم ويتعبّد، ولم يصنع منه كلُّ ذلك إنسانًا صالحًا رحيمًا متحضرًا عفَّ اللسان، فما جدوى ركوعه وسجوده وجوعه وعطشه؟
وخلص الكاتب إلى القول ان ما علينا تعلمه هو أن العقيدةُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربّه، أما الشأنُ العام، فهو التعامل الطيّب بين الناس. الإنسانُ النظيف القلب، العادلُ، المتحضّر، وغير المتحيّز هو السفيرُ الأجملُ لعقيدته.. فكفوا عن التدخل في حياتنا.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top