في بلاد العميان (1 – 3)
كتب عبقري الرواية الإنكليزية هربرت ويلز h.g.wells قصته الرائعة «في بلاد العميان» عام 1904، وتعلق موضوعها بمتسلق يدعى نيو نز، يحاول ورفاقه قهر قمة أحد جبال الاكوادور. وفي ليلة تنزلق قدمه ويسقط في وادٍ سحيق، وينتهي على كتلة ثلج هشة تنقذ حياته. يكتشف بعدها أنه أصبح في وادٍ منعزل عن العالم تمامًا كان قبل قرون ملاذًا لمجموعة من الهاربين من طغيان المستعمرين الأسبان، لكن انهيارات أرضية عزلتهم عن العالم.
اصيب سكان الوادي بمرض عيون غامض نتج عنه إصابتهم جميعا بالعمى، وأورثوا العمى لأبنائهم جيلاً بعد آخر. ويفاجأ نيو نز بأن بيوت الوادي فاقعة الألوان وغريبة الأشكال، ولا نوافذ لها. أخذ يصرخ مناديًا من يساعده، فتجمع البعض من حوله لكنهم لم يكونوا ينظرون نحوه، وهنا عرف أنهم عميان. وطبقًا للمثل المعروف بأن الأعور يصبح ملكًا في بلد العميان، قرر أن يستغلهم لحين خروجه من السهل، وسرعان ما تبين له أنهم صعاب المراس، وليس من السهل إقناعهم بما لا يريدون الاقتناع به، فالطيور عندهم مثلاً هي ملائكة، والوقت عندهم بارد ودافئ، أي الليل والنهار، ينامون في البارد ويعملون في الدافئ، ويستخدمون حواسهم الأربع بشكل عجيب. فهم مثلاً لا يعرفون ما يعنيه البصر، وعندما تحداهم بأنه يرى أمورًا تحدث أمام بيوتهم، هم لا يرونها، طلبوا منه أن يصف لهم ما وراء جدران بيوتهم ففشل، فعلموا أنه يهذي. وعندما يئس وتعب وحاول الهرب لحقوا به واستدلوا عليه عن طريق شم الهواء من حوله. وحتى عندما نجح يوما في الفرار، كان يعود لهم جائعًا ويائسًا من إيجاد مخرج.
بعد فترة وقع في حب ابنة الرجل الذي يعمل لديه. وجدها جميلة، لكنها كانت تعتبر دميمة بمقاييسهم لأن وجهها حاد التقاطيع، ورموشها طويلة، ومع هذا رفض والدها طلبه، لأنه مهووس ويتخيل أشياء لا وجود لها، لكن مع إصرار البنت، وافق الأب على عرض الأمر على حكماء السهل، فحكم هؤلاء بالموافقة على الزواج شريطة استئصال عيني نيو نز، لأن تلك التجويفات في رأسه هي التي أتلفت مخه. رفض الشرط بشدة، لكن توسلات الفتاة وحبه لها جعلاه يوافق في النهاية، فمصيره العيش بينهم إلى الأبد، وهكذا صارت الإصابة بالعمى شرطًا لرضا الآخرين عنه وقبولهم به.
تنتهي القصة بقيام نيو نز بتغيير رأيه بعد أن رأى أنه يخسر الكثير إن لم يوافق على خسارة بصره.
وفي عام 1939 قام المؤلف بإضافة الكثير على القصة وتعديل نهايتها، لكن تبقى إسقاطاتها على واقع واضحة على الكثير من أوضاعنا، فكم من عاقل تخلى عن كل ما يؤمن به، بعد أن وجد أن التمسك بآرائه، التي يعتقد بصحتها، لن تحميه من تسلط بعض المسؤولين عليه أو تشفع له في الترقيات والعلاوات.
وإلى مقال الغد.

أحمد الصراف
زوار الموقع
الارشيف

Back to Top