الأرمني
يقول وليم بليك: الحياة أن نرى العالم في حبة قمح، وأن نرى السماء في زهرة برية، وأن نضم الأبدية في راحة أيدينا، ونختصر الخلود في ساعة.
***
ليس هناك أمر أكثر بطئا، وسأما أحيانا، من مرور الوقت، ونحن صغار. وليس هناك أمر أسرع من مرور الوقت، ونحن كبار، خاصة عندما يكون الوقت هو أثمن ما نملك من سنوات قليلة واشهر أو ساعات، قبل أن نرحل عن هذه الدنيا إلى الأبد!
يبدو لي وكأنني كنت بالأمس فقط شابا صغيرا، وأنا أمسك بيد أبي خائفا من صوت حوافر الخيل التي كانت تمر بنا في الطريق. بالأمس فقط تزوجت، بالأمس القريب فقط اصبحت أبا لك يا بني.
ياه…. ما أسرع مرور الوقت! يا ترى ما الذي سوف افكر به لو وضعوا أمامي سجلا يحتوي على كل ما كنت سأقوم به في حياتي خلال الخمسين او الستين سنة المقبلة؟ لا شك أنني كنت سأصاب بالهلع، وسأطلب إضافة سنوات عدة أخرى لعمري لكي أستطيع القيام بكل هذه الأعمال والواجبات، والمعارك والمشاركات، والأفراح والأحزان، والسقطات والهفوات والاختلافات، وغير ذلك من وقت نحتاجه للسير والجلوس والنوم وممارسة الأفعال الحميمة، وتناول الطعام والشراب، والصياح والصراخ والزعل والجدال والتدخين، والانتظار….!
آه… ما اكثر ما اضعت من ساعات وأيام وأسابيع وربما اشهرا وسنوات وأنا أنتظر، وما أكثر ملل تلك اللحظات وسأمها وما أكثر ما كانت تصيبي بالإرهاق… ساعات انتظار قدوم القطار… ساعات انتظار طلب العمل، ساعات انتظار السفر، ساعات انتظار الحبيب، ساعات انتظار الرد على رسالة حميمة، أو برقية لئيمة، من محب أو عدو. ساعات انتظار لحظة الفراق، لحظة موت صديق أو قريب…!
وعندما نفكك كل لحظات حياتنا لأجزاء أصغر نصاب بالصدمة من كل ما اضعناه من وقت في التافه من الأمور، وفي تكرار وإعادة تكرار الأخطاء نفسها عشرات المرات، وكأننا لا نتعلم، أو لا نعرف كيف نتعلم…!
وأحيانا تبدو الأشياء بعيدة جدا، وكأن سنوات تعد بالمئات قد مرت عليها، ولا أدري أين ذهبت تلك السنوات، وماذا حدث لعشرات أحلامي وأمانيي، وهل تحققت كلها، بعضها أو لا شيء منها؟
والآن أكتب لك يا بني وخريف حياتي يقبل مسرعا، وأوراق صحتي تتساقط من حولي، ولا أدري متي سيحل الشتاء لأدفن بعدها تحت هضبة من الجليد لتبقيني حيا بجسدي، وإن من غير روح.
بدأت حياتي من غير مفاتيح، وفي منتصف حياتي أصبحت أحمل كومة منها، والآن لا أحمل أي مفتاح، فلم يتبق في حياتي أية أقفال. انتهى.
* صفحة من روايتي القادمة «عبداللطيف الأرمني».
***
نبارك لكل المسيحيين ومحبي السلام بعيد ميلاد رسول المحبة والسلام.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top