القرار الصعب

أعلن مجلس النواب العراقي إصدار قانون منع فيه بيع المشروبات الكحولية في العراق. لا نريد الإسهاب في الحديث عن خطورة القرار، وخطأ إصداره، وما سيشكله من وبالٍ على سلامة المجتمع العراقي، المختلف تماماً، في طبيعته الاجتماعية وعاداته وتقاليده، عن مجتمعات الخليج، فالتاريخ كفيل بالإجابة على السؤال، كما قد يحسب الأمر كتدخل في أمر دولة أخرى، ووقائع التاريخ تقول إنه ليس بإمكان مجلس نيابي أن يمحو، بقانون أو بغيره، عادة عرفها العراق منذ آلاف السنين!

لا شك لدى الكثيرين في أضرار تناول الكحول، هذا بخلاف الجانب الديني في الموضوع. فمن نافلة القول، ان الكحول مادة سامة تضر بالصحة، والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتعرض الإنسان لمخاطر حوادث الطرق، والتورط بمشاكل مع الآخرين لأتفه الأمور.. إلخ. وآخر دراسة في هذا الخصوص نُشِرَت في مجلة the lancet الطبية اللندنية المعروفة، بينت أن تناول الكحول يسبب السرطان في أغلب أعضاء الجسم، وليس هناك حد أدنى آمن. كما من المعروف أن الكحول يسبب تليُّف الكبد وعجزها، إضافة إلى التعجيل في موت الخلايا الدماغية، وما ينتج عنه من ضعف الذاكرة، الزهايمر، والرعاش (parkinsonism)، وأمراض كثيرة أخرى. ولو أن هناك من يعتقد ان هناك مبالغة في هذا الكلام، فالكحول، كأي مادة ضارة، لها حسناتها، وإن كانت تقل بكثير عن سيئاتها.

لقد لجأت أكبر الدول وأكثرها قوة وشراسة في التعامل القانوني مع مقطري الكحول وبائعيه ومهربيه، لكنها فشلت في النهاية، وسمحت به. كما ان منع الكحول كانت له دائماً نتائج وخيمة، ليس فقط انطلاقاً من قاعدة «كل ممنوع مرغوب»، بل وأيضا لما تسبب منعه في لجوء الكثيرين للمواد المخدرة، ونتائجها الأخطر من الكحول على المجتمع.

كما ان منع المشروب بقانون ستكون له آثار اجتماعية سيئة جداً! فطالما أن الطلب موجود، وهو موجود دائماً، فهذا سيدفع بصورة تلقائية لنشوء طبقة المهربين، الذين يعتمد نجاحهم على تخريب النفوس وشراء الذمم، هذا غير ما يتسبب فيه عدم توافر الجيد منه للجوء البعض لصناعته محلياً، وما يشكله ذلك من أخطار كارثية.

إن تعلل محرمي تناول المشروبات بالنصوص أو الثوابت الإسلامية لا يمكن الركون إليه في ظل وجود الكثير من الأمور التي تعتبر من ثوابت الإسلام، إلا أن أغلب الدول الإسلامية غضت الطرف عن تطبيقها، وتساهلت في غيرها، حسب متطلبات المرحلة التي نعيشها، فلم التشدد مع المشروب بالذات؟!

إن العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يستطيع بالفعل فهم او هضم مثل هذه القوانين القراقوشية. فالذين منعوا، وغيرهم من المعنيين بالأمر، يعلمون أن القانون فاشل وغير قابل للتطبيق، هذا بخلاف أن هناك أولوياتٍ أكثر أهمية وحيوية أمام مجالس المنطقة النيابية، التي تكمن مشكلتها في عدم استقرارها على هوية دولها، هل هي دستورية، أم دينية؟.


أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top