الموقف الحكومي المريب

احتاجت الكويت منذ بداية نهضتها، قبل 150 عاماً تقريباً، وبروزها كقوة إقليمية، إلى استقدام الكثير من الخبرات في مختلف المجالات من طب وهندسة وتعليم، دنيوي وديني وغير ذلك! ولكن الحاجة إلى هؤلاء قلت مع الوقت مع زيادة أعداد من يماثلهم من الأطباء والمهندسين والمعلمين من بين مواطني الدولة، وأصبح هناك فائض في بعض التخصصات، ولكن دعوة الخبرات، والطبية منها بالذات، استمرت بسبب المستجدات العلمية التي تطرأ على الطب، وتطوره السريع والمستمر، وبالتالي رأينا قيام استشاريين عالميين بزيارة الكويت، بين الفترة والأخرى، سواء لتقديم مشورة طبية أو للقيام ببعض العمليات الجراحية الصعبة، كل هذا كان مفهوماً. ولكن غير المفهوم هو استمرار سيل زيارات رجال الدين، من دول الجوار، ومن لبنان وفلسطين ومصر بالذات، الذين كانت زياراتهم في السابق مطلوبة وطبيعية وغير مسيئة، رغم عدم الحاجة الماسة «لكبير علمهم»، عندما كانت الأوضاع السياسية طبيعية وهادئة وغير متشنجة، والنفوس غير مشحونة بضغائن الطائفية والمذهبية وغيرها. ولكن لوحظ في السنوات الأخيرة أن غالبية من كانت المجاميع السياسية أو الدينية تستضيفهم لإلقاء دروسهم في الكويت كانوا من غلاة المتشددين لدى هذا الفريق أو تلك الفرقة. وكان الحال ينتهي أحياناً بقيام مجموعة من الشخصيات أو النواب بطلب مقابلة وزير الداخلية والاحتجاج على ما قاله هذا الداعية أو ذلك الخطيب، والمطالبة بطرده أو «تسفيره»، وكان ذلك يتم غالباً بشكل مهين له ولاتباعه، لتتكرر القصة في مناسبة دينية أخرى مع جماعة مختلفة، في مسلسل ممل وغير مدروس، علماً بأن أولئك الذين وجهوا الدعوة لهذا الداعية أو ذلك الخطيب للحضور «للاستزادة من علمه» يعلمون جيداً أن لا جديد لديه يقوله، فالدين قديم وتعاليمه وعباداته ثابتة ومعروفة، فأي زيادة سيضيفها هؤلاء غير تأجيج هذا الطرف ضد الطرف الآخر المضاد له، سياسياً أو مذهبيا؟

يجب أن يعي من بيدهم الأمر أن الكويت وأهلها ليسوا بحاجة إلى من يعلمهم دينهم، وإنه من المخجل، بعد أكثر من نصف قرن من التعليم الديني المستمر، ووجود كل هذا العدد من المعاهد الدينية وكليات الشريعة وذلك الكم غير المعقول من حملة شهادات «الدكتوراه في الشريعة»! ألا نزال بحاجة إلى من يأتي من الخارج ليعلم المواطنين دينهم؟ ولماذا لا يقوم حملة شهادات «دكتوراه الشريعة» بالاحتجاج على تجاهل دورهم. فما الغرض الحقيقي من دعوة رجل دين سعودي أو إيراني أو عراقي أو مصري للحديث في موضوع قتلناه بحثاً في معاهدنا وجامعاتنا؟

وبالتالي، من المهم عدم إعطاء أي طرف الحق في استضافة رجل دين من الخارج بغرض إلقاء محاضرات دينية عامة، فلسنا بحاجة إلى فرقة وتشرذم أكثر مما نحن فيه، ويجب وقف هذا العبث بالنسيج الاجتماعي.


أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top