الهواتف والجزر

قامت وزارة المواصلات، في عهد أحد الوزراء السابقين، من الذين لم يوفقوا كثيراً في ترك بصماتهم في مراكزهم، تخصيص خدمة توزيع فواتير الهواتف الأرضية، من خلال الاستعانة بجهات أو شركات خاصة للقيام بمهمة طباعة وتوزيع فواتير ما يقارب 500 ألف خط تلفون أرضي، وهو ما يسمى بالـ out sourcing.
تم طرح المناقصة، وتقدّمت مجموعة من الشركات بأسعارها لتنفيذ المشروع، التي تراوحت بين المليون والمليون وربع المليون دينار، إلا شركة واحدة شذت عنها، وعرضت القيام بمهمة توريد وتركيب اجهزة كمبيوتر وطباعة حديثة وتوصيلها بأجهزة الوزارة وطباعة 500 ألف فاتورة شهرياً، أو ستة ملايين سنوياً، ووضعها في مغلفات وتوزيعها على البيوت وصناديق البريد، وكل ذلك مقابل 75 ألف دينار، وهذا مبلغ لا يكفي حتى لتغطية مصاريف شراء نصف عدد المركبات المطلوبة لتوزيع البريد، دع عنك بقية المتطلبات الأخرى.
بناء على قانون المناقصات، الذي لا تود حكوماتنا الرشيدة تطويره وتغييره للأفضل، وبناء على توصية السيد الوزير، تم إرساء المناقصة على صاحب السعر الأقل، الذي اكتشف فوراً خطأه، فانسحب من المشروع، وتم، بناء على قانون المناقصات العتيد، معاقبته بمصادرة الكفالة المصرفية التي كانت لمصلحة الوزارة، والتي لم تزد قيمتها عن 7500 دينار.
الطريف، أو المبكي، أنه خلال تلك الفترة قامت الوزارة بوقف خدمة طباعة وتوزيع الفواتير الشهرية لنصف مليون خط، بعد قرارها خصخصة الخدمة، وعندما فشلت عملية الخصخصة، بسبب الإصرار على ترسيتها على الجهة الخطأ، رغم علم الوزارة باستحالة تنفيذ الأمر بذلك المبلغ الزهيد، فإن القرار الوزاري التالي كان في الاستمرار في قرار وقف طباعة وتوزيع اية فواتير هاتف، ومن يريد معرفة ما عليه، الحضور لمبنى الوزارة ودفع رسم للحصول على كشف بمكالماته الخارجية، ومعرفة ما عليه من مبالغ أخرى!
هذه ليست حكاية من قصص كليلة ودمنة، بل هي قصة حقيقية من قصص الإدارة الحكومية التي تعودت على سياسة «بولباس»، وهي مثال واضح على عجزنا التام عن تحقيق تنمية مستدامة. فكيف يستمر توقف جهة حكومية عن إرسال فواتير الهاتف للمشتركين في الخدمة، منذ 25 عاما تقريبا؟ ولو قبلنا بذلك على مضض، فما سبب عجزها، على مدى 25 عاما، عن توفير تلك المعلومات على الإنترنت، بحيث يمكن للمشتركين الاطلاع على كشوف مكالماتهم online؟ جميل أن نفكر، مجرد تفكير، في بناء طريق الحرير وتطوير الجزر المهملة منذ عقود طويلة، والحلم بجذب عشرات ملايين السائحين لها، وليس في ذلك ما يعيب طبعاً! ولكن المعيب أن نعجز عن معالجة أكثر القضايا بساطة، بحيث يحتاج الأمر أحياناً لتدخل أعلى المراجع لفض نزاع «حكومي» يتعلق بتحديد يوم عطلة سنوية.

أحمد الصراف
 

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top