معذرة يا معلولا

معلولا مدينة سورية تقع على بعد 50 كلم من دمشق، ومرتفعة 1500 متر عن سطح البحر، واسمها بالسريانية، التي لا يزال أهاليها يتحدثون بها، يعني «المكان العالي»، وتكثر فيها معالم مسيحية مقدسة وقديمة مهمة يعود تاريخها لأكثر من الف عام، وغيرها لأكثر من ثلاثة آلاف. كما أن مسيحيي ومسلمي المدينة ما زالوا يتكلمون الآرامية، السريانية، التي يُعتقد أنها اللغة التي تحدث بها المسيح، عليه السلام. وتنفرد معلولا بمعالمها التاريخية، وأهمها الاديرة والكنائس والممرات الصخرية وآثار مسيحية قديمة، منها كنيسة بيزنطية قديمة وأضرحة منحوتة في الصخر في قلب الجبل، كما يوجد فيها دير مار تقلا البطريركي. كما تتميز بيوت البلدة بارتفاع بعضها فوق بعض طبقات بحيث لا تعلو الطبقة الواحدة منها أكثر من ارتفاع بيت واحد لتصبح سطوح المنازل اروقة ومعابر لما فوقها من بيوت مشكّلة طابعا متميزا. يضم دير مار تقلا رفات القديسة تقلا ابنة أحد الامراء السلوقيين وتلميذة القديس بولس. وتعيش اليوم في الدير رهبنة نسائية ترعى شؤونه وتعتني به وبزائريه الذين يأتون إليه من كل صوب ومن أنحاء العالم كافة للتبرك وللزيارة. وإذا أمعن الزائر النظر من سطح الدير إلى الصخور المحيطة شاهد القلالي (اي غرف الانفراد المحفورة في الصخر) التي كانت خلوات للرهبان الذين ينصرفون إلى الصلاة والتأمل والتقشف والزهد، مما يدل على أن معلولا كانت مدينة رهبانية مقدسة ترتفع منها الصلوات والتضرعات ليلاً نهارا.

هذه هي معلولا، واحدة من أقدم مدن العالم واكثرها سلاما وبعدا عن امراض المدنية وشرورها، والتي عاش أهلوها، المنتمون لمختلف الأديان والطوائف، في سلام على مر العصور، ثم جاء المرضى النفسيون من جراد الصحوة والنصرة المسلحين حتى اسنانهم، جاؤوا بقنابلهم ومتفجراتهم ورشاشاتهم وكل ما بقلوبهم من حقد، واحتلوها وأهانوا حرماتها، في عمل وحشي لا يمكن تبريره بأي حال، فهذه البلدة لم تعتد على أحد، وليست قاعدة عسكرية ولا معقلا علويا ولا منصة إطلاق صواريخ، وكل ذنبها انها مسالمة وغير مسلحة وغالبية سكانها من المسيحيين! وهذه تهمة، بنظر من اعتدى عليهم، يستحق صاحبها عليها القتل!

نعم ما جرى في معلولا، التي أهدت العالم رياضيين مميزين وكتابا وادباء ورجال أعمال وإداريين كبارا، أمر لا يمكن تبريره، وإن كان بالإمكان فهم دوافعه الحقيرة، فسيدة المدن بأقدميتها ستستمر وستغفر لكتائب الشواذ ما اقترفوه بحقها من غير سبب ولا جرم اقترفته! فما جرى بها يصب في مسلسل «التطهير» الديني، ومحاولة تهجير مسيحيي سوريا والعراق ومصر ولبنان وغيرها، وحرماننا من ملح ارضنا، ليخلو الجو لشذاذ الآفاق من متخلفي الحركات الدينية المتطرفة، ليطعمونا الذل والتخلف، على طريقتهم!

* * *

• ملاحظة: خسر الطب الجراحي، مؤقتاً، الاستشاري يوسف العوضي، وربحته إدارة العلاج في الخارج، مديراً جديداً ونزيهاً، نتمنى للدكتور العوضي التوفيق في عمله الجديد.. والصعب!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top