النمسا.. وفال تودبول

أرسلني المصرف - الذي كنت أعمل فيه في منتصف الستينات - إلى لندن للتدريب في بنك باركليز. وبعدها بفترة أرسل هذا البنك فالنتاين تودبول للتدريب في مصرفنا، وتكوّنت منذ يومها بيننا صداقة لم تنقطع، ودعمت بموقفه الكريم والشهم معي اثناء فترة الاحتلال الصدامي لوطني، وهو موقف عجز عن اتخاذه أقربون واصدقاء! كان فال مولعاً بالعربية، التي تعلمها في معهد شملان في لبنان، وكان يتحدثها بطلاقة، ويهتم بمعاني كلماتها. وكان يقول عن نفسه مازحا إنه «جاسوس»، لان المعهد الذي درس فيه اشتهر بالتحاق كبار جواسيس المنطقة به لتعلم العربية، ومنهم كيم فيلبي البريطاني، الذي عمل لمصلحة السوفيت، وهرب الى موسكو بعد انكشاف امره، ومات هناك! وكيم هو ابن المستشرق ورجل الاعمال السعودي - البريطاني سانت جون فيلبي، الذي أسلم وسُمّي عبدالله، والذي مات في بيروت تاليا ولم يجد من يسير في جنازته، على الرغم من أفضاله على ولاة نعمته في السعودية!

ولكن فالنتاين لم يكن جاسوسا، بل مصرفيا محترفا، وقد كان دائم السؤال عن معاني الكلمات وطرح اسئلة غريبة لم يكن يجد لها جوابا، ومنها سبب انفراد العرب باستخدام النمسا اسما لجمهورية اوستريا austria، ولم نعرف حينها الجواب. وتطلب الامر مرور اكثر من 40 عاما لأعرفه مصادفة عندما سألت السفير الروسي السابق في الكويت ألكسندر كينشاك، الذي انتهت مهمته قبل اسابيع، والذي كان يتكلم العربية بطلاقة، عن تفسيره للتسمية، فقال: إنها ربما اشتقت من اللغة الروسية، التي تعود اصولها الى اليونانية القديمة، وانهم واليونان يطلقون على الالمان «نيميتسكي»، وبما ان النمساويين يتكلمون الالمانية فقد شملتهم التسمية، ولكن العرب - لسبب ما - خصّوا بها اوستريا دون الالمان! وكلمة اوستريا او اوسترش تعني بالالمانية البلاد الشرقية، وذلك لوقوعها شرق الجزء الاكبر من المانيا. وقد حكمت سلالة هابسبورغ، اقوى العائلات الملكية الاوروبية، النمسا لاكثر من 700 عام، وفي عهدهم ضموا هنغاريا لهم وشكلوا الامبراطورية النمساوية الهنغارية 1867 - 1918، ولكن هزيمتها في الحرب العالمية الاولى اجبر امبراطورها على التنازل لتصبح النمسا جمهورية مستقلة، كما منعتها شروط اتفاقية الاستسلام من الاتحاد مع المانيا ثانية! ولكن الشروط المجحفة والوضع الاقتصادي المتردي في النمسا أديا الى تصاعد النازية فيها، وبالتالي اتحدت مع المانيا ثانية عام 1938، وهذا ادى الى ان يشاركوا في الحرب العالمية الثانية الى جانب الالمان، ومع هزيمة دول المحور استقلت النمسا عن المانيا وأعلنت حيادها.

ويكفي النمساويين فخراً ان الموسيقار العبقري اماديوس موزارت واحد منهم، كما انها بلد سياحي مقصود، حيث يزورها سنويا اكثر من 35 مليون سائح، مقارنة بــ 200 سائح يزورون الكويت!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top