الإضراب عن الطعام

يقول المثل الكويتي : " مواجهة الجيوش ولا مواجهة العيوش " ومعناه أن من السهل اتخاذ القرار بدخول الحرب وخوض غمارها ، ولكن من الصعب جدا مواجهة الأكل والتغلب عليه بعدم تناوله . وهذا صحيح إلى حد كبير حيث أن احتمال دخول الحرب شبه معدوم في حياة الغالبية العظمى منا ولكن مواجهة الطعام عملية شبه مستمرة ومحاولة التقليل من كمية ما نتناوله منه أو التحكم في نوعيته مسألة تقض مضاجع نصف سكان الكرة الأرضية وخاصة في الدور المرفهة ماديا وبالتالي غذائيا .
يقول الخبير اللبناني في الطبخ الياباني السيد ف . دبوس ، الذي رضي أصحابه عليه ، بأنه  زار الشرق والغرب ، وقطع العالم من الشمال إلى الجنوب ، وجرب العشرات ، إن لم يكن المئات ، من طرق الحمية أو الريجيم وذلك في سعيه الدءوب ، ومحاولاته التي لم تتوقف يوما ، للوصول إلى نظام غذائي صحي متكامل يتمكن عن طريقه من تحقيق حلم حياته والذي يتلخص في تناول ما تشتهيه نفسه دون أن يؤنبه ضميره أو أن يشعر بالخوف من احتمال تقطع وتطاير أزرار قميصه أو بنطلونه . ويقول بأنه لم يجد ضالته إلا في الكويت . حيث أكتشف ، بعد 40 عاما من التجارب المضنية ، أن أحسن نظام غذائي يمكن إتباعه يتلخص في تناول كل ما تشتهيه النفس ، ومن كل صنف ونوع ولون ، وبأية كمية كانت ، وفي أي وقت من أوقات الليل أو النهار ، ومن أي مصدر كان . ومواجهة النتائج التي سوف تترتب على ذلك بطريقة سهلة وبأقل تكلفة ممكنة وذلك عن طريق التخلي عن الملابس الإفرنجية في المرحلة الأولى واستبدالها بالدشداشة أو الجلابية الخليجية في المرحلة الثانية وإجراء ما تتطلبه من توسعة على قياساتها كلما تطلب الأمر ذلك !!!!
                                *********************
كنت أحمل دائما إعجابا خفيا وكبيرا لكل تلك الشخصيات العادية أو التاريخية التي قامت في وقت ما بالاعتراض على وضع سياسي أو شخصي معين عن طريق الصيام أو الإضراب عن تناول الطعام  . وكنت أتسائل عن سر كل تلك القوة العجيبة والخفية التي مكنتهم من الامتناع عن تناول الطعام والتغلب على إغراء ته ومقاومة المشاكل الصحية والنفسية التي عادة ما تنتج عن مثل هذه الأمور . وكنت أتعجب كثيرا لما كانت تلقاه محاولات الإضراب عن الطعام تلك من تجاهل وعدم مبالاة من قبل السلطات المعنية ( السياسية عادة ) ، وعدم تحركها لإيقاف أو وضع حد لمحاولات الإضراب عن الطعام تلك وتلبية مطالب أصحابها رأفة بهم وتقديرا لما يقوموا به من أعمال خارقة لا يمكن أن يقوم بها شخص  عادي .

تذكرت أخبار الكثير من تلك المحاولات بدءا بالمهاتما غاندي ، والذي اضرب عن تناول الطعام أكثر من مرة في سعيه لوقف نهر الدماء الذي سال وفاض من جراء القتال اليومي الذي كان ينشب بين مواطنيه من الهندوس والمسلمين ، مرورا برهبان التبت وكمبوديا وفيتنام من البوذيين ، إلى مقاتلي أعضاء الجيش السري الأيرلندي المسجونين في السجون البريطانية وصولا إلى موسى الصدر في لبنان ، والذي أضرب عن الطعام احتجاجا على الحرب الأهلية اللبنانية في محاولة منه لوضع حد لها .
تذكرت كل ذلك وأنا أختتم ، وبنجاح منقطع النظير ، يومي الخامس دون تناول أي نوع من أنواع الطعام ، والاكتفاء بشرب ما لا يقل عن أربعة لترات من الماء يوميا !!! خمسة أيام دون رز أو مرق أو لحم أو شحم أو حلويات عربية أو إفرنجية  والأمر أكثر من عادي حيث كنت أزاول حياتي بصورة طبيعية وأمارس رياضة المشي أو السباحة لأكثر من ساعة يوميا . وقد شجعني على كل ذلك صديق ألماني حيث أخبرني بأنه يعيش على ما معدله خمسة لترات من الماء في اليوم الواحد ويستمر انقطاعه التام عن الطعام لمدة عشرة أيام كل عام وأحيانا لفترة أسبوعين !!!
وقد " طاح " من عيني بعد تلك التجربة كل من دخل التاريخ من خلال إضرابه  عن الطعام ، حيث أن الأمر أكثر من سهل ولا يحتاج إلا إلى قرار شبه شجاع  !!!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top