هذي الكويتِِ صلوا على النبي

مر عليه شهر كامل منذ ان وصل الكويت لأول مرة، دون ان يجد عملا، واصبح يشعر بحرج شديد من الاقامة في بيت عمته وزوجها الكويتي بسبب العجز والخجل اللذين كانا ينتابانه كلما جلس يشاركهما طعام الغداء او العشاء البسيطين، دون ان يتمكن من المساهمة ولو قليلا في تحمل تكاليف حياتهما البسيطة التي كانا يعيشانها.
وجد في يوم ما وهو سائر في الطريق إبرة غليظة وطويلة (ميبر) تستعمل في خياطة النعال النجدية التي كان استعمالها دارجا ومنتشرا في تلك الايامِ وبسبب خبرته البسيطة التي اكتسبها في محل خاله في موطنه الاصلي فكر في ان يشتري بما تبقى معه من مال بعض الخيوط الجلدية التي تستعمل في اصلاح النعال القديمة والمتقطعة، وذلك من خلال ركن يختاره لنفسه في السوق يقوم من خلاله بعمل قد يدر عليه دخلا بسيطا الى ان يجد عملا ثابتا.
كان الوقت قبل الظهر بقليل، واليوم يوم جمعة والشهر اغسطس من سنة 1951، عندما حمل صندوقا خشبيا بيد وقطعة قماش بالية ولوح كارتون مبلل الاطراف باليد الأخرى، واختار لنفسه مكانا (بسطة) بالقرب من سوق البشوت والزل القديم، والحالي، لكي يزاول فيه عمله الجديدِ وفرش الارض بلوح الكارتون ووضع الإبرة (الميبر) ومجموعة الخيوط الجلدية امامه مع سكين قديمة لاتزال تحمل الكثير من آثار سوء الاستعمال.
كاد ان يمر يوم كامل دون ان يقترب منه احد ليسأله مجرد سؤال عما يقوم به، في الوقت الذي كانت فيه الشمس الحارقة تلسعه باشعتها عن بعد مخترقة غطاء رأسه وقطعة القماش المبللة التي احاط بها رقبته، وكان يشعر باللهب الحار والقائظ يتسلل من الارض ومن بين ثقوب وشقوق قطعة الكارتون التي كانت بالكاد تقيه سخونة التراب تحته، وفجأة اقترب منه شخص ومد يده له بكيس مصنوع من ورق اكياس الاسمنت، وما ان فتحه حتى وجد بداخله زوجا من النعال المتقطعة والقديمة جدا والتي تحتاج الى الترقيع في اكثر من جزء منها، وقال له الرجل دون مقدمات او اضافات بانه سيمر عليه بعد قليل لأخذهاِ بالكاد تمكن من دفع وادخال الخيط الجلدي بمعاونة الإبرة في فردة النعال من جهة، ولكنه عجز عن جر الخيط من الجهة الأخرى وتورمت اصابعه وهو يحاول دون جدوى دفع الإبرة اكثر من ذلك، كما لم تكن السكين لتنفعه في ذلك المأزق الذي وجد نفسه فيه ولم يكن يمتلك الأداة الخاصة بجر الخيط الجلدي الذي كان بالكاد ظاهرا، ولم يجد مفرا من ان يستعمل اسنانه بعد ان أعيته الحيلة.
ما ان اصبح نصف النعال المتقطع والقديم في حلقه ويلامس جزءا كبيرا من خده في سعيه للإمساك بطرف الخيط الجلدي بأسنانه وجره الى الخارج، وفي الوقت الذي كانت الحرارة المتبخرة من التراب تحرق مؤخرته والشمس الحارة تلسع ظهره والعطش والجوع يفتكان بهِِ حتى سمع احد المارة يقول بصوت عال لبقية رواد السوق: أهب يا حظهِِ وصل امس واليوم حصل على بسطة وشغل(!)
أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top