الأسس الإجرامية لدولة مارقة
لفي الفترة من أواخر القرن الـ19 وحتى الربع الأول من القرن الـ20، توقفت الهجرة اليهودية من ألمانيا، بعد أن تحسنت أوضاعهم، وحصولهم على «مساواة تامة أمام القانون»، فأصبح لهم حراك اقتصادي، واندماج، وكانت لهم يد في «الازدهار الاقتصادي. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، خدم أكثر من 100 ألف يهودي ألماني بلادهم، مات منهم 12 ألفاً. وكان يهود ألمانيا، الأغلبية، راضين بيهوديتهم، مع ولاء راسخ لألمانيا. لكن تيودور هرتزل، أبوالصهيونية السياسية، كان مقتنعاً بأن الحل لاضطهاد اليهود في العالم يكمن في التحول إلى قوة استعمارية، مثل الدول الأوروبية الأخرى، وإنشاء وطن يهودي في فلسطين، وبالتالي كان من الضروري التعامل مع المعارضين لفكرته نفياً وإبادة. وفي ديسمبر 1909، بعد موت هرتزل، عُقد المؤتمر اليهودي في ألمانيا. وأبدى بعض المشاركين اعتراضهم على إنشاء دولة في فلسطين، واستمرت معاداة الصهيونية في السيطرة على أغلبية المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء ألمانيا حتى ثلاثينيات القرن العشرين، بينما واصل قادة الحركة جهودهم المتعثرة لتسويق خطة الهجرة الجماعية لأبناء دينهم.
وبحلول عام 1929، انخفض عدد أعضاء المنظمة الصهيونية من 200 ألف إلى 50 ألفاً. وأصبح الوضع في فلسطين قاتماً بالنسبة للهجرة اليهودية الصهيونية، من 1926 إلى 1933. ومع صعود هتلر المتعصب للحكم عام 1933، خشيت الصهيونية من أن تصاعد اضطهاد اليهود قد يجبرهم على الهجرة إلى غير فلسطين، خصوصاً مع وجود وكالات في الولايات المتحدة، وضعت خططاً لتوطينهم في أمريكا الجنوبية. لذا تقرّر اتخاذ إجراءات جذرية خطيرة، حيث وقّع الصهاينة الألمان اتفاقية مع النازيين، سمحت لبعض اليهود الأثرياء بالهجرة إلى فلسطين مقابل المال.
وحتى بعد وعد بلفور عام 1917، قيّدت السلطات البريطانية الهجرة اليهودية، ووجد اليهود صعوبة في الحصول على أراضٍ كافية، حيث لم يتمكن اليهود إلا من شراء أقل من 2% من الأراضي الفلسطينية.
على خلاف المتعارف عليه، مثّل صعود هتلر فرصةً ذهبيةً لتعزيز الهجرة إلى فلسطين، وكان فضله أكبر من كل الدعاية الصهيونية، فقد مثلت معاداة السامية قوة ساحقة، استغلتها الصهيونية، كاستخدام الماء المغلي لتوليد الطاقة. لكن غاب عنهم، ربما عمداً، مصير بقية يهود أوروبا، الذين تعرّضوا للتهميش والاعتداء والقتل، خصوصاً أن الصهاينة لم يكونوا يريدون أي أطفال في فلسطين، بل فقط أفضل الشباب المتعلمين، وعلى بقية اليهود البقاء حيث هم، ومواجهة مصيرهم المظلم، واعتبروا الملايين منهم «مجرد غبار على عجلات التاريخ»، ومعرضين للزوال. وفي الواقع، كان الصهاينة والنازيون متقاربين في توجهاتهما، فكل منهما كان يبني دولاً قومية عرقية تقوم على نقاء العرق، وهو مفهوم كان يُتبنّى على نطاق واسع آنذاك، وكلاهما عارضا بشدة اندماج اليهود في أوروبا، لأن الصهيونية تتطلب «نقاءً عرقياً».
على عكس الصهاينة الألمان، الذي كانوا يتعاونون مع النازيين، كان معظم يهود أوروبا يقاومون الفاشيين، ويقاتلونهم في أسبانيا وفي بولندا، وفي الوقت نفسه، كان الصهاينة يبذلون قصارى جهدهم لإفشال هذه الجهود. وبسبب ذلك دفع الكثير من اليهود أرواحهم نتيجة هذه السياسة الإجرامية، في سعيها رفض أية ملاذات آمنة ليهود أوروبا غير فلسطين، وحتى عام 1943، حين كانت المحرقة على أشدها، استمر الصهاينة في منع اليهود، الذين حاولوا الاستيطان خارج فلسطين، وعندما حاولت مجموعة كبيرة من الحاخامات في واشنطن مقابلة الرئيس لمطالبته بإنقاذ يهود أوروبا، طلب القادة الصهاينة منه رفض لقائهم، وتم لهم ذلك.
في أبريل 1944، في ذروة عمليات الإبادة، عرض أيخمان صفقة على الصهاينة، بالإبقاء على حياة مليون يهودي مجري مقابل تسلّمهم 10000 شاحنة وبضائع أخرى من الحلفاء، إلا أن الصهاينة رفضوا العرض، فتركيزهم كان على هجرة اليهود إلى فلسطين، و«عدم الاكتراث» لمصير مليون يهودي، كما اقترح إيخمان على الزعيم الصهيوني كاستنر دفع ألف دولار مقابل الإفراج عن 1684 من أثرياء اليهود، بينهم عائلة كاستنر، مقابل الهرب إلى سويسرا، وأيضاً مقابل موافقة كاستنر على عدم إبلاغ اليهود الهنغاريين بأنهم سيُرسلون إلى حتفهم في المحارق. وبسبب ذلك أدين كاستنر عام 1954، وتم اغتياله في مارس 1957على يد أعضاء ميليشيا متطرفة، بتهمة التعاون مع النازيين.
وفي الواقع أصبح التحالف الصهيوني النازي جزءاً من الأساس الأيديولوجي لسياسات الفصل العنصري والإبادة الجماعية الإسرائيلية اليوم.
أحمد الصراف





