فضل الكتابة على الكاتب

أنا مصرفي سابق، وأسست شركة مقاولات في بداية السبعينيات، وكنت مقاول بناء لفترة، والآن أنا رجل أعمال، وبالتالي ليس في خلفيتي ما يجعلني، كما أصبحت تالياً، روائياً، وقاصاً، وناشطاً في المقابلات والحوارات التلفزيونية، وكاتب عمود يومي، وليمتد هذا النشاط لأكثر من ثلاثين عاماً، من دون انقطاع، وربما تجعلني خلفيتي الأولى متطفلاً على الأدب والثقافة، ولكن هذا أنا، ويمكن رفضي أو قبولي، ولست بنادم على ما كنته وأصبحته، أو ما أنا عليه اليوم!
***
أعلم، يقيناً، أن هناك من لا يزال يتابع ما أكتب، منذ بداية تجربتي مع الكتابة. وأعلم أن هناك من توقف عن قراءة ما أكتب، وآخرون أصبحوا بالأمس فقط من قرائي، ولا يشغل بالي بالفعل عدد أو نوعية من يقرأ لي، وسبب ذلك يعود ربما إلى كوني لست بالكاتب المحترف، ولا أعتمد في معيشتي على دخلي من الكتابة، والعكس هو الصحيح، فقد كلفتني كتاباتي، مادياً ومعنوياً، الكثير، لكنها أضافت الأكثر إلى حياتي وإلى صحتي النفسية والعقلية، سواء على شكل محبة وصداقة، أو كره وبغض من اختلف معي!

لا أدري ما أعني لقرائي، كبارهم وصغارهم، لكن ما أكتبه يعني لي الكثير، فهو يمثل فكري واتجاهي وفهمي للحياة، وليست فقط آراء مرسلة!

مشكلتي، كما بينتها في أكثر من مقال ومناسبة، لا تتعلق بالفكرة التي أود الكتابة عنها، بل في عدم قدرة القبس على نشر كل ما أكتب، مع حرصي على الكتابة فيها فقط!

كيف يحدث ذلك؟ ومن أين تأتي كل أفكار مقالاتي؟

ليس لدي جواب، وربما السبب يكمن في عطشي المستمر للمعرفة، فأبحث عنها، وأجد ما أرغب في مشاركة الآخرين فيها، ورغبتي في قول أو كتابة ما أعتقد أنه ربما يستحق أن يقرأ!
***
عملت في بنك الخليج موظفاً، ومديراً، وتالياً عضواً في مجلس إدارة البنك، وقدمت استقالتي من المجلس، من دون أسف. وكنت في غالبية الفترة معنياً مباشرة بإقراض أموال البنك لعملائه، فهذا من أساسيات عمل أي مصرف.

لقيت من الكثيرين، على مدى سنوات طوال، الشكر على ما قدمته لهم من تسهيلات، وقروض، واعتبرها البعض السبب الحقيقي في نجاحهم ونمو أعمالهم، وكنت دائماً أجيبهم بأنني لم أفعل شيئاً خارقاً، غير أخذ أموال المودعين وإعادة تسليفها لمن يحتاجها، مقابل ما كنت أتقاضاه من راتب في البنك، مديراً، فدوري كان يتمثل في تحقيق أعلى مستويات الربح لمساهمي البنك، وكنت لفترة أحدهم، وبالتالي لا فضل ولا منّة.

مع الكتابة تغيّر الوضع، وأصبحت كلمات الثناء، التي أسمعها من الغير نتيجة مقال أو فكرة أو موقف، تعني شيئاً آخر وكلاماً له طعم مختلف تماماً. فالثناء هنا لما أنتجته شخصياً، ومن دون مقابل.
***
يقول الزميل والصديق سمير عطا الله إن العمود اليومي أسر يومي، لكنه أسر في دنيا الحريات والجمال ومتعة المعارف. وفي التجمعات الكبرى، حيث يجدد المرء العقد مع الناس بكل طيبة خاطر، وبكل تواضع ودعة، وما من كاتب أهم من قارئه.

يقول المثل الإنكليزي: «بئسك إن فعلت، وبئسك إن لم تفعل» damned if you do and damned if you don ‹t

فويلي إن كتبت عن نفسي، وويلي إن أهملت الالتفاتات النبيلة التي تطيل العمر.

أحمد الصراف
a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top