نابليون وجيفارا والذبابة

تلقيت رسالة واتس طريفة، عميقة المعنى وذات مغزى، بالرغم من كل ما تضمنته من مبالغات، دع عنك صحة ما ورد بها.

قاد «نابليون» حملة عسكرية وثقافية وبحثية وهندسية لمصر استغرقت ثلاثة أعوام (1798ـــ1801).

نجحت الحملة في اكتشاف حجر رشيد، الذي حمل في جهة نقوشا يونانيّة، ومن جانب آخر حروفا هيروغليفيّة، واعتبر بمثابة مفتاح لفكّ رموز الكتابة الهيروغليفيّة المصريّة القديمة، ويعود تاريخ الحجر لذكرى تتويج بطليموس الخامس، الذي حكم مصر من 205 إلى 190 قبل الميلاد، والحجر اليوم من مقتنيات المتحف الوطني بلندن!

يقال إن نابليون أصدر أمرا بالقبض على «محمد كريم»، أحد ابطال المقاومة، بعد الحكم عليه بالموت. رأف نابليون لحاله، ووعده شخصيا بالعفو عنه، كيلا يقال عنه إنه قتل «بطل مقاومة مصرياً»(!!) إن نجح في شراء حياته مقابل دفع عشرة آلاف قطعة من الذهب. وافق محمد كريم على العرض، فاقتيد لسوق التجار ليجمع منهم ديونه عليهم، والتي كانت أضعاف مبلغ الفدية، وهناك، وهو مقيد بالسلاسل، رفض التجار الاستجابة لطلبه، بالرغم من عمله الوطني، ودفاعه عنهم وعن شرفهم، وتضحيته بحياته من أجل مصر، ومن أجل أبناء مصر! وفوق ذلك اتهمه التجار بأن مقاومته كانت السبب وراء دمارهم، وتدهور أحوالهم الاقتصادية.

عاد كريم إلى نابليون، مخذولا يائسا، فقال له إنه ليس أمامه غير تنفيذ الحكم بحقه، ليس لأنه قتل جنودا فرنسيين، ولكن لأنه أخطأ في ثقته بمن لا يستحق، ودفع حياته ثمنا لأناس جبناء تشغلهم تجارتهم عن حرية الأوطان.
***
أما راعي الغنم الذي دل سلطات بلاده للمكان الذي كان يختبئ به الثوري الماركسي الأرجنتيني، «تشي جيفارا»(1928ــــ1967) ليقتله الجيش البوليفي في الأدغال، فقد سألوه عن سبب خيانته لرجل قضى حياته في الدفاع عن حقوق شعوب المنطقة والفقراء (!!!) فأجاب الراعي، بكل برود، بأن حروب غيفارا مع أعدائه كانت تخيف أغنامه!
***
وينقل عن رجل الدين اللبناني «محمد رشيد رضا» (1865ــــ1935) قوله إن الثائر لأجل مجتمع جاهل مثل شخص يشعل النار بجسده كي يضيء الطريق لشخص أعمى.

وهذا ما أصبحت أشعر بها عندما اضطر للدخول في جدال، لا مهرب منه، مع صاحب عقلية تقليدية جامدة، ولا يعني ذلك أنني ثائر أو مقاتل، بل مجرد كاتب لا أطمح لشيء من وراء كتاباتي، وأعتقد أن من يتوقع شيئا من ورائها ليس بكاتب حقيقي، ويكفيه النجاة بنفسه عن شرورها!

فالكاتب الحقيقي، بنظري، هو الذي يضع بذرة في الأرض، ويمضي لحال سبيله، بعدما انتهت مهمته بقول ما يريد قوله. وقد تهب الريح وتغطى البذرة بالأتربة وتدفنها، ليسهل نموها، وقد تسقط الأمطار عليها، أو تُسقى بفعل فاعل، فتنبت زرعا مفيدا، أو تبقى في التربة سنوات، لتذوى وتتحلل!
***
إن إقناع ذبابة بأن الزهور أجمل من القمامة، أسهل من إقناع البعض أن الوطن أغلى من المال.

أحمد الصراف
a.alsarraf@alqabas.com.kw

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top