وهنا تكمن المأساة (2/ 3)

نعود إلى موضوع مقالنا السابق، والى الحادث المروري المؤلم الذي وقع قبل فترة في شارع الاستقلال وراح ضحيته فلذات أكباد أسرتي المسلم والحميضي، اضافة الى الضحايا الفرنسيينِ ولنلق نظرة على الظروف والملابسات التي رافقت ذلك الحادث، والى اللغط الكبير الذي تبعه، ليتبين لنا كم من الاخطاء المميتة التي ارتكبت فيه بحيث جعلت موضوعه وظروفه حالة جديرة بالدراسة، أو: case study.

بمجرد وقوع الحادث، وبسبب عدد ضحاياه الكبير نسبيا وأعمارهم الفتية، سرى الخبر، من خلال المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة سريان النار في الهشيم، وامتلأت الكويت بكم هائل من الاشاعات لم يكن أقلها ما قيل في حق سائق المركبة من تهم تتعلق بالتهور والرعونة، وانه كان في حالة غير طبيعية أثناء القيادة وانه كان، وطبقا لتقرير الشرطة، يقود سيارته بسرعة تصل الى 180 كيلو مترا في الساعة، وان تلك السرعة كانت السبب وراء الحادث، وان سنه كانت دون السن القانونية، وانه لم يكن يحمل تصريح قيادةِِ والى آخر ذلك من الاشاعاتِ وقامت وسائل الاعلام الحكومية بتأكيد هذه الاشاعات بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث، وعزت الحادث الى السرعة الهائلة.
***
هكذا قررت السلطات الأمنية، وعلى هذا النهج سار التحقيق الأولي الذي أقفل بعد ان تم رفع هيكل السيارة المهشم من مكان الحادث وتم القاؤه في ساحة مخفر الشعب على أساس ان الحادث وقع بسبب سرعة ورعونة وقلة دراية قائد المركبة، وتم التحفظ على قائد المركبة بتهمة القتل غير المتعمد!.
***
لم يلتفت أحد الى رواية السائق التي كان يكررها بشكل هستيري وهو يرقد في المستشفى، من أن الخطأ ليس خطأه، وأن سائق مركبة أخرى كان السبب في انقلاب سيارته ووقوع كل ذلك العدد من الضحايا.
كما لم يكن أي من المسؤولين عن التحقيق على استعداد لسماع روايته، وكان الافضل بالنسبة للجميع الاكتفاء بالترحم على أرواح الضحايا، واعتبار الحادث قضاء وقدرا وإغلاق ملف الحادث لمرة واحدة، والى الأبد.
وهكذا، لم يلتفت احد الى حقيقة أن سيارة الاسعاف الأولى وصلت الى مكان الحادث بعد 45 دقيقة من وقوعه، على الرغم من ان المسافة التي كان عليها قطعها لم تكن تزيد عن 3 كيلو مترات.
ولم يرتفع حاجب أحد تعجبا من رؤية سائق سيارة الاسعاف ب'دشداشته' البائسة ومساعديه من حملة النقالات، في غياب تام للمسعفين المتمرسين أو الاطباء!.
كما لم يحاول أحد السؤال عن سبب تأخر وصول سيارات النجدة وتقاعس العسكريين الواضح في تفريق تجمع الناس والسيارات، الامر الذي أدى الى اغلاق الطريق أمام سيارة الاسعاف الثانيةِ ولم يحاول أحد حتى مجرد التساؤل، عن الشخص المسؤول عن موت أرواح طاهرة وغالية على رصيف الطريق بعد ان تلوت وتألمت ونزفت دما غاليا لمدة 45 دقيقة، اضافة إلى أرواح اخرى فارقت الحياة في المستشفى بعد أن تأخر وصولها كل ذلك الوقت الثمين، وهي أرواح غالية فقدناها باهمالنا وقلة حيلتنا، وكان بالامكان انقاذ ولو البعض منها.
عشرات الاسئلة بقيت دون جواب، واستقر الرأي على ان الحادث فردي تسبب فيه قائد المركبةِِ ولا حول ولا قوة الا بالله!.
(يتبع)

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top