نحن واميركا الجنوبية (3)

ان الوحدة التي فشلنا في تحقيقها، ولو ضمن أضيق حدودها، على الرغم من كل ما ادعيناه من توافر مختلف عوامل وجودها، يجب اعتبارها حالة فريدة قابلة للدراسة، خاصة على ضوء التجربة الاوروبية وما حققته دولها من وحدة نموذجية متكاملة، وعلى الرغم من كل ما كان ولا يزال يفرقها لغويا وعرقيا ودينيا وسياسيا وتاريخيا وثقافياِِِالخ (!!!)، واعتقد ان السر يكمن في اننا نتحدث ونخوض ونجادل في امر لم يوجد اصلا، وفي وحدة لم يكن لها وجود عبر التاريخ، وعلى الرغم من ذلك نريد من الجميع ان يصدق ان الامر طبيعي، وان وحدتنا يجب ان تعود لنا، ونصر على البكاء والنحيب على كل تجربة فاشلة في هذا المجال، وكأن التاريخ قد انتهى عند تلك التجارب الوحدوية البائسة.
لقد فشل زعماء مختلف الدول العربية، المهووسة بهاجس الوحدة في تحقيق الوحدة العربية 'المنشودة'، بل وربما اساءت محاولاتهم القسرية لإقامة اي نوع او شكل من اشكال الوحدة الى جلال الفكرة ونقائها، وخلقت ردود فعل لا يمكن انكارهاِ كما فشلت دول مجلس التعاون في الاتفاق على الحدود الدنيا من متطلبات الوحدة وكان الخلاف والاختلاف على العديد من الامور السمة البارزة لغالبية اجتماعات مسؤوليها بمختلف مستوياتهم، الى درجة اصبح فيها الامر لا يحتاج الى اكثر من برنامج تلفزيوني متواضع الاخراج لكي تتسمم العلاقات بين بعضهم وتصل الى مرحلة القطيعةِ وليس ببعيد عن الذاكرة الخبر الذي بثته اجهزة اعلام دولة عضو في مجلس التعاون قبل سنوات والذي اعلنت فيه عن 'اسرها' لعدد من جنود دول عضو اخرى بعد الاشتباك العسكري الذي وقع بينهما نتيجة الاختلاف على الحدود المشتركة (!!)ِ ولا ننسى بطبيعة الحال ذلك العدد الكبير نسبيا من المقاتلين الفلسطينيين الذين اختاروا عبور نهر الاردن والارتماء في احضان العدو الاسرائىلي، بدلا من الوقوع في ايدي ابناء العم والاشقاء من افراد الجيش العربي الاردني الذي تربطهم مع افراده وشائج القربى والدين واللغة، والى آخر ذلك من مقولات!
ان الوحدة العربية، كما سبق ان ذكرنا، لا يمكن ان تتم لان مطربا شدا بها او شاعرا ضمن قصيدته بيتا عنها، بل يمكن ان تتحقق متى قمنا بالاعتراف بان ما يفرقنا، حالنا حال مجموعة دول الاتحاد الاوروبي، اكثر مما يجمعناِ وان الوحدة العربية لم تكن حقيقة واقعة في يوم ما، يجب علينا بالتالي التوقف عن البكاء على اطلال لم توجد اصلاِ وان الجامعة العربية، بوضعها الحالي، هيكل بيروقراطي تنفيعي وليست عامل توحيدِ كما يجب علينا الاقرار بان تحقيق وحدة سياسية مستقرة بين مجموعة من الدول المتنافرة مع نسبة امية، تتفاوت من دولة الى اخرى، وتزيد عن 25%، امر ليس بالسهل، ان لم يكن شبه مستحيلِ كما يجب علينا الاعتراف بان مناهج مختلف الدول العربية، بشكل عام، وصورة كل شعب عربي في عيون بقية الشعوب العربية الاخرى، ليست على ما يرام، لكي لا نستعمل تعبيرا اكثر حدة، وان الامر يتطلب بالتالي تغييرا هيكليا شاملا لمختلف المناهج الدراسية، وربما يكون هذا، بجانب العامل الاقتصادي الاكثر اهمية، وصعوبة بالتالي!
لقد تعب الكثيرون منا، وعلى مدى عقود من الزمن، من ترديد مقولة 'امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة'! ولكن لا اعتقد ان احدا يعرف بشكل محدد وواضح مواصفات هذه الامة، وهل تشكل في مجموعها، اضافة الى جيبوتي والصومال وموريتانيا وجزر القمر وحدة جغرافية وثقافية ودينية ولغوية واحدة؟ وما هي حدود الرسالة الخالدة لهذه الامة التي تتميز وتنفرد بها عن رسالات امم الارض بحيث اصبحت خالدة والاخرى فانية؟
ان الموضوع متشعب وطويل ويحتاج الى مجلدات لتغطيته، خاصة ان العاملين: العاطفي والنفسي هما الطاغيان فيه، ولكنه موضوع يستحق، في نظري، الطرح والمناقشة والتعليق، ودوري هنا لا يتعدى دور المجتهد، وليس كل مجتهد بمصيب.

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top